مخطوطة الزبورالعربية: مزامير داوود نسخة جورج رينتز
رقمنة وإعداد: دحمان بروبة
المزمور الأول
طوبى لرجل لا يسلك طريق الأثمة وفي طريق الخطائين لا يقوم ، وفي مجالسهم لا يجلس ولكن في ناموس الرب يدرس الليل مع النهار ، فمثله كمثل شجرة على شاطىء المياه لا يتناثر ورقها ولا ينقطع ثمرها ، وليس المنافق كذلك لأن الله يعلم سبيل المنافقين ويعفوا عن التوابين ويغفر للخطائين ، لأن المنافق كثير المنكر كثير الفسوق ناقض العهد وكذلك الخاطىء المُصِرُّ ، ومرتبة أنبياء الله مرتبة الصديقين لأنهم يقولون الحق ويأخذون به ، يا داوود قل لخدام بيتي الذين يخدمونه لا يخدمونه لما يرجون من الناس ، وليرجون فضلي ، ألا يرون إلى الطير لا تزرع ولا تحصد وهي تستوفي رزقها موفرا في كل يوم جديد ، وكل ذلك بعيني ورحمتي وتدبيري وأنا بكل شيء عليم.
المزمور الثاني
يا داوود سلطاني يقهر كل سلطان ، ومن أجل هيبتي يخشع كل شيء ، يا داوود إسمع ما أقول والحق أقول ، إذا قل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذهبت الهيبة من العلماء وصارت في الأشرار والأشقياء ، فاطلب الهرب من مخالطة أهل الدنيا ، يا داوود إسمع ما أقول والحق أقول ، طوبى لمن عمر قلبه بذكري وأخربه من ذكر الناس ، طوبى لمن جعلني همته وقصده ، ألا تنظرون إلى الليل كيف أرزقكم فيه حلاوة النوم ، فإذا أصبحتم أذهبت تخدر النوم عن مفاصلكم ، كل ذلك بتقديري وتدبيري ، ابن آدم ما أجرأك علي وأشد تمردك ، فإذا وقعت في البلاء دعوتني ، فإذا كشفت عنك بلاءك وضرك نسيتني ، وكأنك لم تسألني قط.
طوبى للخائفين الوجلين الذين يؤدون الأمانة سينعمون بالأطعمة والأشربة والأغذية ، طوبى للمنفردين عن الناس الصامتين عن عيوبهم ، الذين اشتغلوا بعيوب أنفسهم عن عيوب الناس ، طوبى للذين قاموا طوال الليل يسهرون طلبا لرضائي ، وويل للذين كانوا يطلبون الزنى ، إن أدنى ما أصنع بالزاني أن أذهب بهجته النضارة عن وجهه ، وأمحق عمره ورزقه ، طوبى لقوم عظموني وكفوا أبصارهم وفروجهم عن الحرام خوفا من عقابي ، يا داوود ، أتل على بني اسرائيل نبأ قوم عزتهم بهجة الدنيا ونضارتها وزينتها ، فوثبوا على المعاصي ولم يتفكروا في الآخرة حتى غشيهم الموت ، مالكم لا تتفكرون وتعلمون والأقلام جارية عليكم ، لا تغفلوا عن أعمالكم ألستم بعيني وعلى وبين يدي أمري أرى منقلبكم ومثواكم ، يا داوود ، قل لبني اسرائيل الذين أغلقوا أبوابهم وأرخوا ستورهم وخلوا بالمعاصي والذنوب ، إن البهموث الذي يحمل الأرضين السبع ، يسر في نفسه إذا جاع أن يرمي ما على ظهره ويبلعه ، فعند ذلك أبعث إليه برزقه من غير أن يتكلم ، ويحك يا ابن آدم ما أجهلك علي ، أما أسقطت الكير عنك وتعلم أنك ميت ، ابن آدم إعرفني واعرف نعمتي ، وقدسني ومجدني ، أتخذك من الذاكرين وألبس وجهك المهابة والقبول ، وأجعل عدوك تحت قدمك كالكبش تحت السكين ، ابن آدم الغنا فكم من غني أرهقه ماله ولا ينفق منه ، ومثل المرائي الذي يعمل بالمرايات كمثل رجل له سيف ، قد أصلح له غمدا حسنا وتركه صديا ، فلما إحتاج إليه ضرب بيده إليه فلم يخرج من غمده ، فضرب به فلم يبتره وغر صاحبه بهجة غمده ، فكذلك مثل العمل بالمرايات ، وهذا مثل لمن طول ركوعه وسجوده وظلم الناس ، ولم يبالي بما تناول به أعراضهم ، يا داوود ، طوبى للجلساء مع المساكين الذين لا يستكبرون عن مجالسهم ولا مؤاكلتهم ، يا داوود ، أتل على بني اسرائيل نبأ إمرأتين وقع بينهما خصومة ، فقالت إحداهما للأخرى عليك بإبنك المجذوم ، فأولدتها ولدا مجذوما عقوبة حين عابت صاحبتها ، يا داوود ، إسمع ما أقول لا تعيرن صاحب بلاء ولا تحمدن صاحب غناء ، إلا من عمل بماله لوجهي هكذا وهكذا ، يا داوود ، قل لبني اسرائيل أن يستحيوا مني في السر والعلانية ، ويجعلونه مع الفجر استغفارا ، ويمسكوا عن كثرة الكلام ، فمن قرب مني وأحببته قل كلامه وأنا الرب الرحيم.
المزمور الثالث
يا داوود ، من انقطع إلي قبلته ومن سألني أعطيته ، ومن دعاني أحببته ، ومن قرب مني وجد لطائفي عزيزة لديه ، يا داوود ، جالس العلماء تزدد حكمة إلى حكمتك ، وقل لبني اسرائيل لا يعصوني فأذهب بالضياء عن وجوههم ، وأحط سخطي بهم وبالزناة الذين يفسدون حرم المؤمنين ، ابن آدم ألست أرزقك وأكفيك ، وأعطيك ومربيك ومفديك ، ابن آدم إن الذين يسعون بالنميمة بين الناس ، فإني ألعنهم لعنا وبيلا فأعذبهم عذابا مبينا ، ومن كانت همته فساد حرم المؤمنين ، ثم مات وهو مصر على ذلك ، أصليته ناري ، ومن صان فرجه عن حرم الناس خوفا مني ، أكثرت أزواجه في الجنة وذلك جزاء المحسنين.
المزمور الرابع
ينبغي للعقلاء إذا رأوا نعمي مجددة لديهم ، وهم يبارزوني بالمعاصي أن يكثروا النوح على أنفسهم ، فإني أجعل نعمتي عليهم إستدراجا ، وآخذهم أخذا أليما شديدا ، فليبادروا بالتوبة فإني تواب رحيم ، يا داوود ، من عظمني عظمته يوم القيامة ، وجعلت جواد الحكمة بحوله في صدره ، وأعطيته أمنية في الدنيا والأخرة ، يا داوود ، إن التقي عندي يكون متوجا محبورا ، وأكثر أزواجه في الجنة وأكثر له في العطاء ، إذا كان مواظبا على ما آمره به ، فمن أسعدته فهو السعيد ، ومن أشقيته فهو الشقي ، لا راد لحكمي ولا مانع لقضائي ، يا داوود ، كن لليتيم كالأب الرحيم أعن رزقك وأكفر ذنبك ، ألا تنظرون إلى الطير كيف حبستها في جو السماء ، وقدرت لها أرزاقها ، وكل يتكلم بلغته ويسبح بكلامه ، فأفهم لغاتهم وأعطيهم أرزاقهم وما يصلحهم ، أفلا تنظرون إلى الخلق من الإنس والجن ، والسماء والطير وجميع ما يدب ، أرزاقهم علي يتقلبون في فضلي ، وأنا الرزاق ذو القوة المتين ، ستعلمون إذا وردتم القيامة أن لي الحجة البالغة وأنا الغفور الودود.
المزمور الخامس
عجبت لمن أيقن بالموت كيف يضحك ، ولمن علم أني مخلف رازق ، كيف يقنط إذا أخرج من يده شيء ، وهو وعياله في عيلتي ، يا داوود ، غض بصرك عن حرم المؤمنين ، تأتيك الدنيا وهي راغبة ، يا داوود ، غض بصرك إذا مرت بك إمرأة ذات جمال ، فاذكر العرض علي يوم القيامة وسلني الجنة ، وإني أزوجك إياها يوم القيامة في الجنة ، يا داوود ، لاتجالس الأفاكين ومن يدعي الرياسة ، ولا أهل العجب ولا تكثر الإختلاف إلى أبواب الظالمين ، يا داوود ، إسمع ما أقول والحق أقول ، وعد بقلبك وسمعك إنه من لقيني وهو يخاف غيري ، أسلمته إليه ووقع من منزلته عندي ، يا داوود ، إن وضعتك فمن ذا الذي يرفعك ، وإن رفعتك فمن ذا الذي يضعك ، وإن أعززتك فمن ذا الذي يذلك ، وإن أذللتك فمن ذا الذي يعزك ، وإن خذلتك فمن ذا الذي ينصرك ، وإن نصرتك فمن ذا الذي يخذلك ، يا داوود ، إذا واصلت في رجل فرد له ما تريده لنفسك ، واتل على بني اسرائيل نبأ رجل غريب ، نزل به الفقر فتكفل به رجل وواساه ، وذهب به إلى منزله ابتغاء وجهي وطلب مرضاتي ، فلما نام الرجل أكثر الرجل الفقير إلتفاته إلى حرمه ، فلما مات مسخته في قبره خنزيرا ، وأعددت له يوم القيامة عذابا عظيما ، وذلك عندي جزاؤه ، يا داوود ، عليك بثلاث خلات ، الصبر على كلام الضعفاء ، وأكثر التذلل للوالدين ، وأكثر وضع جناحك للعالم لتنال من علمه ، فإنك تنال بذلك شرفا في الدنيا وشرفا في الآخرة ، زاحم العلماء بركبتك واقتبس من علمهم ، يحيي قلبك كما يحيي الأرض الميتة بالمطر ، وأعلم أن الناس إثنان عالم ومتعلم وبقية الناس لا خير فيهم ، يا داوود ، لاتجالس السفهاء ولا تكثر المزاح ، ولا تغفل عن الصلاة ، وخذ حظك من الليل واجعل موضع الضحك بكاء ، فإني أنجيك من حرارة النار يوم القيامة ، يا داوود ، إسمع ما أقول والحق أقول ، من أكثر من الإلتفات إلى حرم المؤمنين ، سلطت على عقبه من بعده من يكثر الإلتفات إليهم إنتقاما منه ، وأقطع الخير والخوف من قلبه ، وجعلت في قلبه شهوة البهائم ، يا داوود ، أدعي بالغدو والآصال ، فوعزتي وجلالي ما من أحد قصدني إلا وجدني ، وعليك بالسكينة والوقار ، وتربية البنين بالأدب ، وترك الولع والكذب والظلال ، وكثرة الضحك من غير عجب ، فتسلك سبيل النبيين صلواتي عليهم وعليكم وعلى والديك ، سبحاني إني أنا الغني الحميد.
المزمور السادس
ينبغي لمن عرفني أن يخاف سطواتي ، وأن يكثر الاستغفار ، وأن يهللني ويكثر من ذكري ، وإذا لامستم النساء فاغتسلوا ، وإذا حدثتم فاصدقوا ولا تكذبوا ، وابتغوا منهاج الصديقين واتخذوا الأخلاء واختاروهم ، فإن الخليل الصالح يقرب صاحبه من الجنة ، ويبعده من النار ، وإن الخليل السيء يقرب صاحبه إلى النار ويبعده من الجنة ، يا داوود ، لا تجالس الأشرار فتنسب إليهم ، وأصحب الأخيار وإن لم تكن منهم ، فإن من مسك المسك خالطه ريحه ، يا داوود ، قل لبني اسرائيل لا يغفلوا عن ذكري ، ولا تشتغلون بغيري ، ولا يغتابون بعضهم بعضا ، ويسلمون الأقدار إلي ويعلمون أنها من عندي ، تأتيهم أرزاقهم موفرة ، إني أدعوا عبادي الصالحين الزاهدين إلى يوم القيامة ، وأقول لهم عبادي إني لم أزوي عنكم الدنيا لهوانكم علي ، ولكن أردت أن تستوفوا نصيبكم موفرا ، أنظروا من أحببتموه في الدنيا أو قضى لكم حاجة ، أو رد عليكم غيبة ، أو أطعمكم لقمة ، ابتغاء وجهي وطلب مرضاتي ، فخذوا بيده وأدخلوه الجنة ، يا داوود ، الجنة دار لا يموت ساكنها ، ولا يكدر نعيمها ، سقفها عرشي حيطانها من الذهب وأبوابها من الجوهر ، وترابها المسك والعنبر والكافور ، تسرح فيها أنهار من لبن وأنهار من عسل وأنهار من ماء ، فيها طيور خلقتها من عنبر تطير على رؤوس أوليائي ، تقول سبحان من جعلني أسرح في الجنة وألهمني تقديسه ، ترى تلك الأطيار من حسن خلقتها يخرج من أجنحتها الزعفران والمسك ، خلقته ليس كمسك الدنيا ولا زعفرانها قلت له كن فكان ، يا داوود ، صف هذا كله لبني اسرائيل ، وقل لهم أني قد أعددت هذا كله لمن ترك الفواحش ، ولم يقرب الزنى بعينه ولا بيده ولا بفرجه ، حرم المؤمنين عنده كحرمه ، وجاور الناس بالتي هي أحسن ، يا داوود ، من كذب على رسلي أو قال علي وعلى رسلي ما لم يقولوا ، فقد باء بغضبي وأحاطت به لعنتي ، لأن كتابي هو الكتاب وكلامي هو الكلام المحكم ، أقبل معذرة المذنبين وأكافىء المتصدقين ، وأسكنهم جنات النعيم وأنا الواسع الكريم.
المزمور السابع
سبحاني ما أظلم الذنوب لقلوب العصاة ، وما أنور التقوى والطاعة لقلوب المطيعين لي ، أتطمعون أن تهربوا مني وأنتم تأكلون أموال اليتامى ظلما ، يا داوود ، قل للذين يدعون محبتي ، أتهتمون عند عشائكم وغدائكم ، هل رأيت حبيبا ضيع حبيبه ، من أنصف مني لخلقي ، خلقت وصورت ورزقت وأعطيت ، ثم قلت تصدقوا مما رزقناكم على المساكين ، أجعل لكم بكل درهم عشرة ، وإن أعطيت عشرا جعلتها لكم ألفا ، ولا تنفذ خزائني ولا أضيع أجر المحسنين ، يا داوود ، غض بصرك وحسن لسانك ، ولا تعتقد للناس إلا الخير ، واسئلني أغفر لك وللخاطئين ، أولم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ، مصففات الأجنحة أتعرف أين سمائها حيث هي مما قدرت لها تسرح فيه ، كل ذلك من رزقي وعطائي ولا أحب الفاسقين.
المزمور الثامن
يا أيها الناس لا تغفلوا عن الآخرة ولا تغرنكم بهجة الدنيا وزهرتها ، يا داوود ، قل لبني اسرائيل لو تفكرتم في منقلبكم ومعادكم ، وذكرتم الآخرة وما أعددت فيها لمن عصاني ، لقل ضحككم وكثر بكاؤكم ، لكنكم غفلتم عن الموت ونبذتم عهدي وراء ظهوركم ، واستخففتم بحقي كأنكم لستم بميتين ولا محاسبين ، تقولون ولا تفعلون وتوعدون وتخلفون ، وكم تعاهدون وتنقضون عهدي ، لو تفكرتم في خشونة الثرى وظلمه ووحشته ، لقل كلامكم وكثر دعاؤكم واستغفاركم لي واشتغالكم بي ، إنما الجمال جمال الآخرة ، وأما جمال الدنيا فمنقطع ومتغير زائل ، أفلا تتفكرون في خلق السماوات والأرض وما أعددت فيها من الآيات ، وحبست الطير في الجو يسبحن ويسرحن في رزقي وأنا الغفور الرحيم.
المزمور التاسع
ماذا عليكم يا بني آدم لو جعلتم موضع كل نعمة شكرا ، وأكثرتم إشتغالكم بي ، ولم تقابلوا نعمتي بكفركم ، وذكرتموني في قلوبكم فإن ذكري يزيد في القلوب حياتا ، والوقيعة في الناس تزيد القلوب غما وظلمة ، لو تفكرتم في ذنوبكم وداويتموها بالإقلاع والتوبة ، ثم نظرتم في عيوبكم فأصلحتموها لكان أزكى لكم عندي ، وتبعات المخلوقين ردوها إلى أهلها بقلوب طاهرة ، وإذا تفكرتم الأمانات فاجتهدوا في ردها إلى أهلها تحمدوا عندي ، ولا أضيع أجر المحسنين.
المزمور العاشر
يا داوود ، من إنقطع إلي كفيته ، ومن سألني أعطيته ، ومن دعاني أجبته ، ولا أؤخر دعوته ، ولكن يدعوني الداعي ولم يتم قضائي ، فإذا تم قضائي أنفذت له ما سألني. يا داوود ، أليت على نفسي فقلت وقولي الحق لأطيلن وقوفك باستلذاذك بحديث المنافقين إلا أن تتوب معاشر الآدميين ، تتعبون حفظتي في غيبة المؤمنين وإن كانت الملائكة لا تتعب ، من تاجرني فإنه أربح الرابحين ، ومن صار عني فإنه أخسر الخاسرين ، طوبى للمتخلصين الذين الخسران عندهم ربح ، والموت عندهم حياة ، والعافية عندهم بمنزلة البلاء ، الذين رضوا بي وبقضائي سوف أوفيهم أجورهم وأنا بكل شيء عليم.
المزمور الحادي عشر
معاشر الخلائق ، لو جعلتموني كهفا ووثقتم بي في طلب الرزق وتسبيبه لكم ، أتاكم رغدا من حيث تعلمون ومن حيث لا تعلمون ، يا داوود ، من أطاعني وإتبع ما أنزلت على رسلي ، كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، إن هم بحسنة أعنته وإن هم بسيئة منعته ، يا داوود ، إنقطع إلي حتى أنكس لك رؤوس الأعداء والملوك ، وألبس وجهك المهابة في قلوب الأعداء ، يا داوود ، لو رأيت الملتفتين إلى حرم المؤمنين وقد لعنتهم لعنا وبيلا ، وسلطت على حرمهم من يهتك عوراتهم إنتقاما منهم ، عجبا لمن قرت عينه بزهرة الحياة الدنيا وأنا أسأله عن النقير والقطمير ، ومن حاسبته عظمت في القيامة بليته.
يا داوود ، كنت شجي الصوت قبل أن تعصيني ، فلما عصيتني سلبت نور الحكمة من صدرك ، فإن تبت عوضتك من ذلك ، يا داوود ، عظمني وقدسني أكفيك همك في أمر الدنيا والآخرة وأنا بكل شيء محيط.
المزمور الثانية عشر
يا داوود ، مامن عبد دعاني إلا إستجبت له بما وافقت الإجابة الدعوة ، وأنا لست أغفل عن صوت عبدي إذا دعاني ، يا داوود ، قل للمظلوم إنما أؤخر دعوتك على من ظلمك لضروب كثيرة قد غابت عنك ، إما أن تكون قد ظلمت رجلا فدعا عليك فتكون هذه بهذه لا لك ولا عليك ، وإما أن تكون لك درجة لا تبلغها إلا بمظلمة ، لأني خبير بعبادي وأعلم بصلاح شأنهم ، فإن عبدي ربما قلت صلاته فامتحنته بالمرض فيدعوني في كربه ومرضه فيكون دعاؤه في مرضه أحب إلي من صلاته ، وإن كثيرا من عبادي ممن يصومون ويتصدقون ويصلون فأضرب بها وجوههم أتدري من هم ، يا داوود ، هم الذين أكثروا الإلتفات إلى حرم المؤمنين ، يا داوود ، نح على نفسك كالمرأة الثكلى على ولدها ، يا داوود ، لو رأيت الذين يغتابون الناس وقد بسطت ألسنتهم في النار كبسط الأديم ، وضربت على نواحي ألسنتهم بمقامع من النار ، ثم سلطت عليهم مناديا يشهرهم وينادي عليهم يا أهل النار ، هذا فلان ابن فلان المغتاب للناس كم من بكية طويلة بكى فيها صاحبها بخشية ، لم تعدل عندي فتيلا لأني نظرت في قلبه فوجدته لو برزت إليه إمرأة تدعوه إلى نفسها أجابها وإن عامله إنسان في تجارة خانه ، يا داوود ، طهر ثيابك الباطنة فإن الظاهرة لا تنفعك عندي وأنا بكل شيء محيط.
المزمور الثالث عشر
يا داوود ، ينبغي لمن عرف الله أن يخشاه ، ولا يكثر اللعنة على الآدميين فترجع اللعنة عليه ، يا داوود ، لا تقوم الساعة حتى تكون الهيبة في السفهاء وتذهب من العلماء ، وتذل الأشراف ، وترتفع الأداني ، ويهجر فيها كتابي ، وأكثر رزق العصاة ، وأقبل بالدنيا على كل فاجر ، وأمنعها من كل خير فاضل ، وأحبب إليهم الدنيا ، وأحرمهم الخلوة بي ، والقيام بأمري ، فإذا جمعت فيهم هذه الحالات سلطت عليهم سيف النقمة ، وجعلت الصغير لا يهاب الكبير ، وأغليت الأسعار ، وأكثرت الأمطار ، وأوحيت إلى نبات الأرض أن يقل ، وأبتليهم في ذلك الزمان بالفسوق والفجور ، ذلك جزاؤهم عندي لأنهم يكذبون بي وبرسلي ، لا يأمرون بالمعروف الظاهر ، ولا ينهون عن المنكر الفاشي ، يا داوود ، إستعذ من شر ذلك الزمان وأهله وأنا بكل شيء عليم.
المزمور الرابع عشر
إني لا أنظر في صلاتك ولا إلى صيامك ، ولكن أنظر إلى من شك في شيء من الشبهات ، فتركها من أجلي مخافة وفزعا مني ، وأعطى المجهود من نفسه ، وخاف أن أسأله يوم القيامة عن التبعات ، فإذا هم بالسيئة من الزنا أو الغيبة ، فعلم أن عيني تراه فرجع وتركها فهو عندي من المقربين ، ومن ركبها وتمرد وعصى ولم يبال فذلك لا إيمان له ، يا بني آدم ، لو لم يكن إلا الموت والحساب ، والأعوان الذين يجذبون أرواحهم من أوصالهم جذب الشعر من جفن العين ، ما أشد قلق الموت وغصته ، كم من لسان فصيح طلق قد أبكم عند رد الجواب ، يا معشر الجن والإنس ، إستعيذوا بي فأنا القوي ، من إشتغل بالدنيا وتمتع بالآدميات ، ولم يتفكر في خلق السماوات والأرض ، والشمس والقمر ، والسحاب والبحار ، طال شقاؤه وعظم عناؤه ، يا داوود ، قل رب لا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني عظة للظالمين ، ولا مطيعا للشياطين.
ابن آدم ، ما دمت صحيحا تغرك الدنيا ، وإذا وقعت في المرض تضرعت إلي ، فإذا صرفت عنك ضرك مررت كأن لم تدعني إلى ضر مسك ، أما تعلمون أنكم خلقتم من تراب ، ثم من نطفة ، ثم أخرجتكم من الظلمات الثلاث ، معشر المتقين المطيعين ، طوبى لكم إذا وردتم القيامة تعرفون بسيماكم ، وذلك أني أجعل لكم نورا تستضيؤون به ، يا داوود ، جعلت جنتي لمن أطعم من أجلي ، وخوفا من ناري ، طوبى لمن ترك شهوات الدنيا من أجلي ، طوبى لمن ترك الفواحش لأجلي ، طوبى للذين يتفكرون في معادهم وقدموا زادا لسفرهم وأنا العزيز الحكيم.
المزمور الخامس عشر
ثياب المعاصي لها ذل على الأبدان ، ووسخ على الوجه ، فوسخ الثياب ينقلع ، ووسخ الذنوب لا ينقلع إلا بالتوبة ، طوبى للذين باطنهم أحسن من ظاهرهم ، ومن كانت له ودائع قدمها بين يديه لآخرته ، فرح بها يوم الأزفة ، يوم الطامة.
من عمل المعاصي وأسرها عن المخلوقين ، لم يقدر على إخفائها مني ، قد أكرمتكم ورزقتكم من الطيبات ، من حيتان البحر وطير السماء ، وجميع الثمرات ، ورزقتكم من حيث لم تحتسبوا ، وتقويتم بذلك على معصيتي ، وأطعتم عدوي ةعدوكم وعدو أبيكم من قبلكم.
يا داوود ، قد أنزلت عليك زبوري مثل ما أنزلته في التوراة ، يا داوود ، سوف تحرف كتبي التي أنزلت على رسلي ، فيها بيان وهدى ، ويفترى علي كذبا ، فمن تمسك بما جاءت به رسلي ، ولم يخالف شريعتي ، فقد أنجح وأفلح وأنا العزيز الحكيم.
المزمور السادس عشر
يا داوود ، داوي بمرهمك جروح نفسك ، فإن برئت فداوي من شئت ، رائحة الجيف تقطعها الأيام ، ورائحة الذنوب لا تنقطع إلا بالتوبة ، يا داوود ، وعزتي وجلالي ، لو إجتمع أهل السماوات والأرض على مؤمن ، أردت نفعه ، على أن يضروه بمقدار وزن خردلة ، ما قدروا على ذلك ، ولو إجتمعوا على أن يدفعوا ، عن من أردت ضره وبؤسه ، ما قدروا أن يصرفوا عنه شيئا من ذلك ، ولو وزن خردلة ، فأنا صاحب الدنيا والآخرة.
المزمور السابع عشر
يا داوود ، قل للعاصي المتمرد علي ، إستعد للبلاء جلبابا ، ولمسئلتي عن المخبئات جوابا ، رب إمرىء حسن السريرة رديء الظاهر ، ورديء السريرة حسن الظاهر عند المخلوقين ، ليس كل من تصدق رفعت صدقته ، ولا من طأطأ رأسه كان من الصالحين ، إنما الصالح من اجمل ذكره وكان كثير المنفعة للناس ، سخي النفس ، ضاحك السن ، قاضي الحاجة ، قد إشتغل بهم نفسه وعيبه عن عيوب الناس ، أشهد أني إلى هذا العبد مشتاق ، أتجلى له يوم القيامة وأقول له ، إفرح عندي كما كنت تهجر المضاجع خوفا مني ، أنت الذي صفحت عن من ظلمك ، أنت الذي وصلت من قطعك ، أنت الذي أعطيت من حرمك ، كل ذلك طلبا لمرضاتي ، تنعم بنظرك إلي فأنا ربك ، وتمنى في جنتي ما أحببت تصل إليه وأنت فيه خالد ، قد أمنت من صروف الحدثان ، وحوادث الزمان ، لا تنقطع خيراتك ولا تنفذ نعمتك ، سل ما شئت تعطى ، فلا راد لقضائي وحكمي ، وأنا القوي العزيز.
المزمور الثامن عشر
يا داوود ، الذين إستحيوا مني ، وأكثروا الإستغفار لذنوبهم ، وأضمروا بقلوبهم أن لا يعودون ، فأما المتمتع بالحرام أفأمن أن أسقط أركان بيته عليه ، أفأمن الذي يأكل الربا أن أمحق ماله في الدنيا ، وأترك في قلبه حسرة ، وتبقى أوزاره يحملها على ظهره حتى تحطه في النار. بني آدم ، إضحكوا قليلا ، وأبكوا كثيرا فإن الدنيا عن قليل تزول وأنا الباقي.
المزمور التاسع عشر
لا تزال الدنيا تخدع المؤثرين لها حتى تفرقهم في لجة بحرها ، من ظلم في الدنيا وزن مثقال ذرة أخذ من حسناته يوم القيامة مثل ذلك ، فإن لم تكن له حسنات طرحت عليه سيئات المظلوم ، فتكون زيادة على سيئاته.
يا داوود ، أتل على بني إسرائيل نبأ رجل كان يكثر الإلتفات إلى حرم المؤمنين ، لا يدع شريفة ولا وضيعة ، فإبتليت حرمه بالفسق وكشفت أستارهم ، وكتبت على باب داره هذا جزاء من إغتر بالله وحلمه ، ولم يكف عن الزنا.
ابن آدم ، أنت أقوى أم الحجارة ، ألا تنظرون إلى النار كيف تقطعها وتصيرها رميما ، ابن آدم ، أنت أقوى أم الحديد ، ألا تنظرون إلى النار كيف تصيره ماءا ، ويحك ابن آدم أما تفزع من النار ، كم من شاب حدث مستبشر بشبابه قد دهمه الموت فمنع كلامه فلحق بالموتى ، وأنا الدائم بعد فناء خلقي.
المزمور العشرون
يا داوود ، تناول المعاصي وإرتكابها يغير الوجوه وتذهب بنورها ، لأن نورها هو نور الإيمان ، والإيمان ينقص بالمعاصي. يا داوود ، لو رأيت الزناة في النار وقد وكلت بهم زبانية بكلاليب من نار مرشوقة من أدبارهم وذكورهم ، جزاءا بما كانوا يصنعون.
وحق الطور والسماوات السبع ، لا تركت تبعة لمخلوق كائنة ما كانت ، أتل على بني إسرائيل نبأ قوم يخرجون آخر الزمان ، يتزوج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة ، تلعنهم أركان بيوتهم لا يستحيون مني ، ولا ينتهون عن الحرام ، لو رأيتهم يا داوود لرأيت فساقا ملاعينا.
ما يصنع الرجل بالرجل وقد رزقته إمرأة حلالا ، وما تصنع المرأة بالمرأة وقد رزقتها زوجا حلالا ، علي يتمردون بل بي يغترون ، وعزتي وجلالي لا تركت لكافر حقا قبل مؤمن فإنهم في الحق عندي سواء.
المزمور الحادي والعشرون
يا داوود ، كم تسألني وتناديني أن لا أجمع بينك وبين خصمك ، أتسألني أن أجور. يا داوود ، أنا أحكم الحاكمين ، وعزتي وجلالي لأسئلن العود لم خدش العود ، ولأسئلن الشاة القرناء لم نطحت الشاة الجماء ، ولأسئلن الكف لم صافح الكف ، إنما مثل من يعظ الناس ولا يتعظ ، كمثل رجل معه طيب يطيب به الناس وهو زفر الرائحة.
طوبى للصائمين الساكتين ، الذين لا يعودون ألسنتهم الفواحش ، طوبى للذين إذا تكلموا ذكروني بالتسبيح والتقديس ، وإذا سكتوا تفكروا في خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم ، أولئك أحبائي وصفوتي ، وأنا أجزيهم بما صبروا.
المزمور الثاني والعشرون
يا داوود ، كم من صغير تصور في الرحم ، مات قبل أن يخرج منه ، وكم من رضيع قد مات قبل أن ينفطم ، وكم من شاب حدث مات من غير علة ، إن في هذا لآية لمن كان له نظر وعقل.
بني آدم ، إجعلوا شعاركم التقوى ، ولا تتبعوا الأهواء بغير حق ، ولا تحقروا المسكين ، ولا تشهدوا بالزور ، أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ، وأنكم لا ترجعون إلي فأسألكم عن أعمالكم.
ابن آدم ، أما ترى إلى سرعة ذهاب الليل والنهار ، وإنما يذهبان من عمرك ، ويقربان من أجلك ، وأنت لاه مسرور. يا داوود ، إسمع ، من رمي أحدا ببهتان ، أوقفته بين يدي ، فقام الخصم مع خصمه ، حتى يأتي ببرهان ما قال. يا داوود ، من سعى برجل إلى سلطان ، هتكت ستره على رؤوس الخلائق يوم القيامة. يا داوود ، من غبن إمرأة أو صبية أو أحدا من الناس بحبة في الميزان ، كويته بمكواة من النار يوم القيامة في جهنم.
المزمور الثالث والعشرون
يا داوود ، أتصحب الزناة المصرين على الفحشاء ، وإن لعنتي عليهم نازلة صباحا ومساءا. يا داوود ، وآخي الأتقياء فإني أعددت لهم في الآخرة قصورا في الجنة ، لها أبواب ودرج من لؤلؤ ، لم يتعب فيها صانع. يا داوود ، لو رأيت ما إدخرته لأوليائي وأهل طاعتي ، لقل كل ما تراه بعينك في دار الدنيا ، وأنا الغني الحميد.
المزمور الرابع والعشرون
يا داوود ، أتدري من أنا ، أنا الذي خلقت السماوات والأرض في ستة أيام ، ولم يمسسني تعب ولا نصب. بني آدم ، تستحيون من الآدميين عند إرتكاب الفواحش والمعاصي ، ولا تستحيون مني ، كأن الآدميين أعظم قدرا عندك من الذي خلقك وصورك.
ابن آدم ، جروح الأجسام تبرأ وتعود إلى الصحة ، وجروح الذنوب لا تبرأ إلا بالتوبة الصادقة ، إذا بطشت بأخيك المؤمن فأذكر بطشي الغليظ ، وإن إستحييت أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، خوفا من مخلوق ، ولم تغضب لغضبي ، ولم ترض لمرضاتي ، فاستعد للبلاء جلبابا ، فإني أعددت اللعنة على من لا يأمر بالمعروف ولم ينهى عن المنكر.
المزمور الخامس والعشرون
بني آدم ، لا تستخفوا بحقي أستخف بحقكم ، وأجعل مأواكم النار ، وبشر أكلة الربا بتقطيع أمعائهم وأكبادهم بالنار. بني آدم ، أغسلوا بصدقاتكم الذنوب التي جعلتموها على ظهوركم ، وقلدتموها أعناقكم ، أما تعلمون أن الصدقة من المال الطيب ، تقع في يدي قبل أن تقع في يد المسكين ، وقلت للملائكة الذين يكتبون عمله ، يرفعون صدقته إلى عليين ، وإن كانت الصدقة من مال حرام ، ضربت بها وجهه ، وقلت للحفظة يجعلانها في سجين ، ولا أقبل إلا الطيب.
المزمور السادس والعشرون
يا داوود ، أتدري لم مسخت بني إسرائيل ، وجعلت منهم القردة والخنازير ، لأنهم كانوا إذا أذنب الغني الذنب العظيم ، سهلوه وهونوه عليه ، وإذا جاء المسكين بذنب أسهل منه وأقل وزرا ، شددوا عليه وعظموا أمره ، وقد أنزلت في التوراة أن الحكم عليهما واحد. هب أنكم تتبعون الهوى في الدنيا ، فأين المفر مني ، إذا تجليت لفصل القضاء ، بني آدم ، نهيتكم هن الإلتفات إلى حرم الناس ، وإطلاق ألسنتكم في الغيبة فلم تنتهوا ، ستعلمون إذا وردتم القيامة أن الحجة لي.
المزمور السابع والعشرون
يا داوود ، أتل على بني إسرائيل أنه من إجترىء علي ، وتهاون بأحكامي ، وكلته إلى نفسه ونزعت الرحمة من قلبه ، وسلطت عليه من هو أظلم منه ، فينتقم منه في الدنيا ، فإن أخرت توبته إلى الآخرة ، كان أشد لعذابه. يا داوود ، لو رأيت قوما في النار وقد حولت وجوههم إلى أقفيتهم ، وهم أكلة السحت والربا ، وأنا الشديد العقاب.
المزمور الثامن والعشرون
يا داوود ، غمرات السكر تنقطع ، وغمرات الذنوب لا تنقطع ، والإيمان الكاذبة تسود القلوب ، والكذب يختم على الفؤاد حتى لا يعقل الإنسان بنفسه ، وذلك أنه كان عند الله كاذبا آثما. يا داوود ، خلف المواعيد من أعمال الشيطان ، أرأيتم لو وعدتكم بالعفو ثم أخلفتكم وأدخلتكم النار ، كان ذلك من أفعال المحسنين الكرام ، كم توعدون أنفسكم بالتوبة ثم لا تتوبون.
بني آدم ، من سرق منكم فإقطعوا رجله اليسرى ، فإن سرق ثانية فإقطعوا رجله اليمنى ، فإن سرق ثالثة فإحبسوه حتى يتوفاه الموت فأتوب عليه. يا داوود ، أرجموا الزانية والزاني بالحجارة حتى يموتا. يا داوود ، ما أقبح لسان يكثر كلام الفحش ويقل ذكري ، وما أقبح مالا لا يواسى منه الفقير. بني آدم ، لم أستقرض منكم لأني فقير ، لكن لأجعله ذخيرة لكم في الآخرة ، ورزق الخلق كلهم علي ، وما يمشي منكم ماش خطوة ، ولا تسقط ورقة من شجرة إلا بعلمي ، من أضللت فهو الضال ، ومن هديت فهو المهتدي.
المزمور التاسع والعشرون
يا داوود ، من العجائب رجل أعمى يدل الناس على الطريق ، وكذلك الواعظ الذي يعظ الناس ، ويأمرهم بما لا يفعله ويركب المعاصي ، ملك الدنيا ونعيمها ينفذ ويزول ، ونعيم الآخرة وملكها باق لا يزول. يا داوود ، قل لبني إسرائيل ، إني لم أقتر على بعضكم لقلة ما في خزائني ، ولكن أنا أعلم بصلاح خلقي ، كأنهم لم يرضوا بقسمي لهم ، وأنا الملك المقتدر.
المزمور الثلاثون
يا داوود ، من أنعمت عليه نعمة ولم ينفق منها في مرضاتي ، فبشره بعذاب أليم ، ومن إبتليته بضائقة ولم يشكوني إلى خلقي ، ولم يتسخط ، يعلم أني خير الرازقين ، وأنا أحكم الحاكمين ، ألا تنظرون إلى الطير والبهائم كيف تأتيها أرزاقها. يا داوود ، لا تكن لجوجا ، ولا تصحب من كان لجوجا. يا داوود ، من تكبر علي وعلى عبيدي في الدنيا ، جعلته يوم القيامة في صورة الذرة ، يطاء بالأرجل حتى أفصل بين عبادي. يا داوود ، قل لبني إسرائيل ، لا يتبعون المعاصي ، ولا يظلمون الضعفاء ، ولا يبخسون الموازين. يا داوود ، كم من مملوك عندي أقرب من مولاه ، وكم من مولود عندكم أزكى وأطهر من أبيه ، وأنا الموفق لذلك. يا داوود ، لا يغرنك من طالت هامته ، وعظمت قطعته ، ولعله يربيها للنار ، أوليائي هينون لينون ، إن حضروا لم يعرفوا ، وإن غابوا لم يفقدوا ، وإن مرضوا لم يعادوا ، تعرفهم بقاع الأرض ، وتحفهم الملائكة بأجنحتها ، دعاؤهم اللهم لا تهلك المذنبين ، وأغفر لهم.
المزمور الحادي والثلاثون
وحق الأنبياء أجمعين ، لا تقوم الساعة حتى يطول الرجل شعره كشعر المرأة ، ويسبل أصداغه ، ويخضب أصابعه بالحناء ، ويلبس الذهب والحرير ، وتعلو السروج الفروج ، وتكون العزة في أراذل الخلق ، ويقل في ذلك الزمان قرأة كتابي لوجهي ، ويتبرمون بالمواعظ ، ويتكاسلون عن الخطا إلى المساجد ، فتلك دنيا ناقصة ، وأيام خالية من الأعمال الصالحة ، وأنا الملك المقتدر.
المزمور الثاني والثلاثون
يا داوود ، من ركن إلى الدنيا وإطمأن إليها ، نصبت عليه الفجائع ، ومن إنقطع إلي وعمل للآخرة ، هانت عليه الدنيا وما فيها ، ومن وصل رحمه وقرابته أثمر ماله ، ومن أكثر التعرض لحرم المؤمنين ، هتكت حرمته من بعده في ذريته ، أو أؤخره إلى يوم القيامة ، فأفضحه على رؤوس الخلائق في المحشر ، وتلك الفضيحة الكبرى. يا داوود ، من تاجرني ربحت تجارته ، ومن تفكر في آياتي وعظيم سلطاني في سبع سماواتي وأرضي ، أسكنت خشيتي قلبه. يا داوود ، من أكل أموال اليتامى محقت رزقه ، وعظمت أوزاره. يا داوود ، لو ترى أكلة أموال اليتامى ، كيف قرنتهم مع الشياطين في سلسلة من نار ، وأمرت مالكا أن يطعمهم الزقوم ، وذلك بما كسبت أيديهم وكانوا يعتدون.
المزمور الثالث والثلاثون
يا داوود ، ليس الفسق بكله عندي سواء ، وأعظم الفسق عندي إكتفاء الرجال بالرجال ، والنساء بالنساء ، فإذا إطلعت على شيء من ذلك إهتز له عرشي ، ويثقل حمله على الملائكة الذين يحملونه ، فعند ذلك يكثرون من الإستعاذة من سخطي ، فتسمعهم ملائكة السماوات ومن فيهن من صنوف ما خلقت ، فيقولون ربنا أتأذن لنا أن نهلك من عصاك ، فأقول لهم أسكتوا أنا الغفور الرحيم. يا داوود ، أمرتكم أن لا تحابوا الأغنياء في الأحكام ، وعهدت إليكم أن تأمروا بالمعروف أهل الرئاسة والسلاطين ، وأن تجعلوا أعمالكم خالصة لي ، فإن لم تفعلوا ستردون إلي يوم القيامة ، فأعرض عليكم أعمالكم وأنا الخبير بما تعملون. يا داوود ، أتل على بني إسرائيل نبأ رجل تفخذ ما ليس له بحلال ، فلما جلس ليقضي شهوته ، كشفت عن قلبه ، فتفكر وقال أليس لو أمر الله أن تطبق علي الأرض ، أو تنخسف بي ، أليس ذلك بذنبي ، فهرب إلي خوفا مني فرحمته وقبلته ، وعظمت خطره في الناس ، وجعلت على وجهه من المهابة والنور ، وأعطيته في الجنة غرفة في أعلى عليين ، متصلة بعرشي ، مكتوب عليها هذا جزاء من فزع من مولاه وهرب منه إليه ، والله لا يضيع أجر المحسنين.
المزمور الرابع والثلاثون
يا داوود ، عجبا لعبيدي كيف يعصوني ، وقد خلقت لهم آيات يتعظون بها ، أفلا ينظرون إلى هذه الشمس والقمر والنجوم ، كيف جعلناها لهم ليستضيئوا بها ، ويهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ، وهذه الجبال الراسية جعلناها أوتادا للأرض ، كي لا تموج بهم موج السفينة في الماء ، أفلا ينظرون إلى هذه الأطعمة والفواكه والثمار ، كيف أخرجتها لهم من عود يابس ، وهي مختلفة الألوان والأطعمة ، وتسقى بماء واحد ، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. معشر الآدميين ، إذا كنتم في الأمراض والمحن والشدائد العظام ، أكثرتم الدعاء والتضرع ، فإذا كشفت ما بكم من ضر أعرضتم عني ، تأكلون رزقي ، وتتقلبون في نعمتي ، فإذا خلوتم بالمعاصي إستحييتم من أمثالكم ، ولا تستحيون مني ، وعيني ناظرة إليكم ، أأمنتم من سخطي أن آمر الأرض تبتلعكم ، أو أمسخكم في مكانكم حجارة. طوبى لمن كان له من نفسه واعظا ، ولم يتكل على موعظة الواعظ. ابن آدم ، هل لك حجة يوم آمر جوارحك أن تشهد عليك بما عملته في دار الدنيا ، والخاتم يومئذ على فيك ، لا تقدر على جواب وأنا الخبير البصير.
المزمور الخامس والثلاثون
ألا تنظرون إلى مرآة القلب وصفائه كيف يسود من المعاصي ، ولاسيما الزناة ، وأكل مال اليتامى والشهادة بالزور ، وطلب الرئاسة والعجب ، والإنقطاع إلى أبواب الظالمين ، وترك الكلام بالحق ، وأشد من ذلك كله البخس في الموازين ومظالم العباد. يا بني آدم ، غرتكم الدنيا ووضعت عليكم كلكلها ، وعزتي وجلالي لو بطشت بكم بطشة لجعلتكم نكالا ، فداووا أنفسكم بالإستغفار ، والإقلاع عن المعاصي ، وأبكوا على ذنوبكم حق البكاء ، وأعلموا أن بضائعكم المربحة الصلاة والصوم والصدقة ، فأكثروا منها تربحوا ، ولا تنظروا إلى أبناء الدنيا المتزخرفين المتزينين الفرحين بها ، سوف يندمون في يوم لا ينفعهم فيه الندامة ، ليس الراجح من مدحه الناس ، إنما الراجح من ثقلت موازينه في يوم تخف فيه الموازين.
المزمور السادس والثلاثون
يا داوود ، صفني لخلقي بالرحمة والكرم ، إني أعددت منابرا وكراسيا من نار في جهنم لعلماء السوء الذين يتكلمون بالهوى ، وحق مكة والمدينة وبيت المقدس لا رضيت عنهم ، تعملون الطاعات بغير نية وتشبعون بطونكم ، وتلبسون ظهوركم وتدعون ما إفترضت عليكم ، فإذا نزلت بكم نازلة وغمكم أمر شكوتموني إلى خلقي. ابن آدم ، عسى أن تكره شيئا ويكون لك فيه الخير ، وعسى أن تحب شيئا ولك فيه الشر ، وتوكل علي ورد الأمر إلي ، فإني علام الغيوب.
المزمور السابع والثلاثون
ليس من سارع إلى الصلاة بالأسحار وسبق إليها هو السابق ، لكن السابق من إختصصته برضاي عنه ، وهم الذين إذا تكلموا سمعت نطقهم حكمة وبيانا وموعظة ، لكلامهم تأثير في القلوب ، وذلك أنهم يتكلمون بنية خالصة لي ، أقسمت بإسمي العظيم لأجعلن على وجوههم مهابة ، ولأجعلن لهم من كل ضيق مخرجا ، هم الذين تفرح بهم ملائكة سمواتي وبقاع أرضي ، لولاهم لأنزلت بأهل الأرض البلاء. يا داوود ، ليس كل ولد ينفع والده ، رب ولد أدخل والده النار ، ورب ولد أدخل والده الجنة ، كل عبد قد يسرته لما خلقته له ، خيرا كان أم شرا ، وإنما يتبين الشقي من السعيد ، والخاسر من الرابح في القيامة عند وزن الأعمال.
المزمور الثامن والثلاثون
من عرف الله قصده ، ومن ألزم نفسه التقوى ، أذهب عنه عداوة المخلوقين ، وأحبته الملائكة في السماء ، ومن ترك أداء فرائضي غيرت نور وجهه ، ومن أكثر الزنا محقت عمره مع رزقه ، ومن واسى الفقراء توفر عندي كسبه ، ومن آمن برسلي ولم يشك في شيء مما جاؤوا به ، أدخلته جنتي على ما فيه ولا أبالي ، إلا أن يكون قلبه تبعات لمخلوق ، فإني لا أدخله جنتي حتى يؤديها إلى صاحبها. يا داوود ، نح على نفسك ، وأبك على خطيئتك كبكاء الثكلى على ولدها ، وأحفظني بظهر الغيب أحفظك ، وأكثر ذكري أكثر ذكرك ، ولا تبغ على أحد فينزل عليك البغي ، وأنا أهل التقوى وأهل المغفرة.
المزمور التاسع والثلاثون
يا داوود ، من خافني فليعمل عملا صالحا ، حتى أدخله الجنة إذا كان عمله خالصا لوجهي. يا داوود ، مر بني إسرائيل يلزمون الجهاد ، ويقاتلون من كفر بي قتلا شديدا ، أوتيهم أجورهم ، ولا ينظرون إلى من إستوت له الدنيا وزهرتها ، ولينظروا إلى عاقبة أمره ، لا ينظرون إلى صلاة العبد وصيامه ، ولينظروا إلى السرائر التي بيني وبينه ، لو إجتمع أهل الأرض أن يغيروا من كتبي حرفا واحدا ، ما قدروا على ذلك ، ولو آخذتكم بذنوبكم ما تركت على ظهرها من دابة ، وأنا الحكيم الغفور.
المزمور الأربعون
يا بني آدم ، إن أحدكم ربما تمنى الموت ودعا على نفسه ، وربما وافقت دعوته الإجابة ، فيموت ولم يقدم عملا صالحا يدخل به الجنة ، فأدعوا في صلاتكم وقولوا ربنا رب الحياة والموت ، أمر الحياة والموت في يديك ، فإختر لنا منهما أحب الأمرين إليك. ابن آدم ، ما أجرأك علي ، وأكثر تمردك ، تنظر بعينك إلى سمائي وقد نظرت إلى محارمي.
المزمور الحادي والأربعون
يا داوود ، إستترت بستر الدنيا ، والستر الذي بيني وبينك مكشوف مهتوك ، أرأيت لو أن ثوبا حريرا حسنا أعجبك حسنه وأردت أن تلبسه ، فشممت منه رائحة منتنة ، هل كنت تريده أو تنتفع به ، فكيف وأنتم تتقلبون في بحار نعمتي فتركتموها وخضتم في بحار العذرة في الدنيا ، تسمعون كتابي يتلى عليكم بكرة وعشية ، فتركتموها وراء ظهوركم ، إعقلوا وإسمعوا من رسلي ، فإني لا أحب الغافلين المتبعين لهواهم.
المزمور الثاني والأربعون
أيام الدنيا فانية ، وأهلها متقلبون قوما بعد قوم ، كم تتبعون جوارحكم في جمعها ، وإنما مثلها كمثل يوم طلعت فيه شمس ، ثم طلعت من بعد ذلك سحابة ، فغطت ضوء الشمس وأزالت نورها. يا داوود ، أدنى ما أعمل بالزاني يوم القيامة ، أن أكوي بين عينيه وحدقتيه ظاهرهما وباطنهما بمكاو من نار ، فلو تفكرتم في أخذي وبطشي لأذعنتم ورجعتم عن شهواتكم ، هيتكم إغتسلتم من الجنابة الظاهرة ، فكيف تغتسلون من الجنابة الباطنة وغسلها التوبة.
المزمور الثالث والأربعون
يا داوود ، أتل على بني إسرائيل نبأ رجل نظر إلى وجهه فرآه نقيا من الدرن ، حسن المنظر ، فأعجبته نفسه وما هو فيه من زهرة الحياة الدنيا ، فنظرت إليه المنايا وقالت له لا تعجبك نفسك فعن قليل أنت راحل ، فأخذته بغتة ولم ينفعه ما كان من دنياه ، إلا ما قدمه لآخرته.
المزمور الرابع والأربعون
يا داوود ، أفصحتم ألسنتكم بالحكمة ، وقصرتم في العمل ، ولو أفصحتم في العمل ، وقصرتم في كلامكم كان أرجح لكم عندي ، لأن القول بلا عمل لا ينفع ، ولكنكم عهدتم إلى آياتي وما أنزلت عليكم في كتابي ، كأنكم بي تغترون وبعقوبتي تتلاعبون ، من غره حسنه وجماله ، فليذكر حاله بعد ثلاثة أيام في قبره ، كيف تسيل الحدقتان على الوجنتين ، وكيف يتمعط الشعر وتتفرق الأوصال ، وبعد ذلك يصير ترابا ورميما ، إنما الجمال الباقي جمال أهل الجنة ، فإنهم هم الفائزون. يا داوود ، أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ، وعزتي ما خلقتكم إلا لطاعتي ، وإنما جعلت الدنيا لكم جسرا تعبرون عليه لآخرتكم ، فسددوا وقاربوا وأذكروا رحيلكم من الدنيا ، وأرضوا بثوابي لكم ، وخافوا عقابي ، وأذكروا صولة الزبانية ، وضيق المسالك في الدار ، وضيق أبواب جهنم ، وبرد الزمهرير وشرر النار ، وأرضوا مني باليسير من الرزق ، أرضى منكم باليسير من العمل ، فإنكم إن طلبتم الكثير لم يكن لكم من العمل ما يقي به ، فإعملوا خيرا يصرف عنكم به شر.
المزمور الخامس والأربعون
يا داوود ، تضحكون ولا تدرون أنكم ميتون ، ألا ترون إلى من حضره الموت وما يلحقه منه ، أما ترون أن الملائكة يجذبون الروح من المفاصل ، ويفككون الأعضاء ، أما تسمعون صرير أسنانه ، وأجنحة الأعوان الموكلين به وبقبض روحه التي تجول في جسمه ، فإذا صارت في الحلقوم جذبها ملك الموت إليه. بني آدم ، أما لكم في هذا عبرة ، لو شاك أحدكم شوكة لوجد ألمها حينا ، وإنما ضربت لكم الأمثال لتعتبروا وتتفكروا في الموت ، قبل مفارقة الروح الجسد.
المزمور السادس والأربعون
يا داوود ، إنما مثل النساء ومعاملتهن ، كمثل رجل رغب في العسل فأكثر منه ، فعاد عليه ضرر كثير ، فمضرة العسل تزول بالدواء ، ومضرة النساء تورد النار. كفى بالمفسد حرم الناس ، أن يكون معروفا بالخناء ، ثوبه عليه مسبل وهو عندي عريان. ابن آدم ، دار البقاء أوفق لك فأطلبها ، وإسألني أن أعينك عليها بأعمال زاكية تقربك مني ، حتى أدخلك إياها والعاقبة للمتقين.
المزمور السابع والأربعون
طلب الجنة بالمخادعة يوجب الحرمان ، وحسن النية والعمل الصالح يقرب مني ، أرأيتم لو أن رجلا أحضر سيفا لانصل له ، أو قوسا لا سهم له ، أكان بذلك يردع عدوه ، كذلك التوحيد لا يتم إلا بالعمل ، والعمل لا يتم إلا بالنية الخالصة. يا داوود ، أعظم شيء يتقرب به إلي عبدي الفقير الصلاة والصيام ، والغني إطعام الطعام ، ومواساة المساكين.
المزمور الثامن والأربعون
يا داوود ، إنف النوم من عينيك ، وإذا غلبك النوم فوجدت ذلك كأنه سكر ، فأذكر مصارع أهل النار وصولة الزبانية ، وإصطفاف أبواب جهنم ، فإنك إذا فعلت ذلك طار النوم من عينيك. يا داوود ، قل لقاتل النفس التي حرمت ، أي قتلة أقتله في النار ، يعظم بكاؤهم ويجل خطبهم ، وذلك أني أرسل عليهم سحابة يقال لها المشرفة ، فيها سيوف النقمة تقع على رؤوسهم وتخرج من أدبارهم ، ثم يصيرون جذاذا ، ثم أسلط عليهم حيات ترميهم بمزاريق من سم من أنيابها ، كذلك دأبهم لا يفتر عنهم العذاب.
المزمور التاسع والأربعون
يا بني آدم ، أدعوا رب السماوات ومجدوه وقدسوه ، فإنه منزل الخيرات عليكم ، لا يخيب من توكل عليه ، قد أفلح من عمر قلبه بذكره ، ولم يجعل له هما غيري ، هذا إذا دعاني أجبته ، وإذا سألني أعطيته ، وأجعل له من كل هم وغم فرجا ومخرجا.
المزمور الخمسون
يا داوود ، ضع خدك في التراب متضرعا متخشعا ، فلو رأيت المنقطعين إلي ، وما أعددت لهم في الجنة من الكواعب يطوفون على أوليائي وصفوتي بالتقديس والتسبيح ، بحسن أصوات وتطريب في دار أمنوا فيها ريب الحدثان ، وتصرف الزمان ، نعيمها لا ينفذ وعيشها لا يتغير ، أعددتها لمن هجر المضاجع ولذات الحرام ، إذا كظهم العمل ، كان ذكري في صلواتهم دواء لأوصالهم ، أولئك العباد حقا. يا داوود ، أنت الذي ذهبت هيبتي من قلبه ، حتى إستزله عدوه ، وقد جعلت ما جعلت سببا تستحق به درجة الصديقين ، وذلك أن جدك أوريا كان رجلا يخافني ، فأحببت أن أجعل من ذريته نسلا تقر به عينه ، يا رئيس الخطائين إخلط طعامك بالتراب من أجل معصيتك ، فلو أنك سمعت ملك من زبانية جهنم لتقطعت أوصالك.
المزمور الحادي والخمسون
يا داوود ، الدنيا لا يدوم بلاؤها وفجائعها. يا داوود ، لأوفقنك مع أوريا مقاما ترعد منه الأرض تحت قدميك ، وتنكس أجنحتها الملائكة ، وعزتي وجلالي لأجازين ظلم ظالم. يا داوود ، أبوك آدم أكرم الأكرمين علي وأقربهم مني منزلة ، لم يقرب فرجا حراما ، ولم يقتل نفسا ، وإنما نهيته عن أكل الشجرة فأكلها ، فسقط التاج عن رأسه ، والإكليل عن جبينه ، وبكت الجنة حزنا عليه ، فأوقفته في الأرض بعد نزوله من السماء ، مائة عام يبكي على خطيئته ، حتى بكت لبكائه ملائكة سبع سماواتي ، وجرت من دموعه السواقي على وجه الأرض ، فكيف أنت ، يا داوود ، وقد جعلت نفسك عرضا للظلامات ، وأوجبت على نفسك القصاص. يا داوود ، لو تصورت في نفسك مطالبة خصمك لك ، لزادت نياحتك على نفسك وبكاؤك عليها.
المزمور الثاني والخمسون
يا داوود ، جعلتك خليفتي في أرضي ، لتحكم بين الناس بالحق ، فإتبعت هواك عن طاعة ربك ، وآثرت شهواتك على الحق. يا داوود ، كنت أعددت لك قصرا في الجنة ، فلما فعلت ما فعلت أنزلتك من الدرجة التي كنت فيها عندي. يا داوود ، سترى بعينك في يوم القيامة ما لم تره ، سبحاني ما أرفقني بكم أيها الخلق ، وما أقل حيائكم مني.
المزمور الثالث والخمسون
يا داوود ، قد أمرت الشمس والقمر يجريان ويطلعان ويغربان ، منافع لكم في الدنيا ولمعائشكم ، ولولاكم ما خلقتهما فما قصرا في أمري ولا عصياني ، وإنهما لخائفين وجلين من سطوتي. ابن آدم ، ما أجرأك علي وأشد تمردك ، إن أجنحتم أيها الآدميين ، إني لم أركب في الشمس والقمر والملائكة شهوة ، كما ركبت فيكم ، ولم أجعل للشيطان عليهم سبيلا ، فمن أجل هذا أوسعت في رحمتي ، وجعلت لكم بكل حسنة عشرة ، فإن أطعتموني فلكم الفوز ، وإن عصيتموني ، ثم آخذتكم على ما كان منكم ، كنتم من الخاسرين ، وذلك جزاء الظالمين.
المزمور الرابع والخمسون
سبحان من يعلم منقلبكم ومثواكم ، وحركات جوارحكم وما كنت صدوركم ، أين الهرب مني بمخبئاتكم وعيني تراكم ، أعلم سركم وجهركم ، وإذا إستغفرتموني تجدوني غفارا رحيما ، ما كان لي من فرائضي التي أوجبتها عليكم فضيعتموها ، إن شئت طلبتها وإن شئت عفوت عنها ، ومظالم المخلوقين أقسمت بعزتي وسلطاني لا تركتها ، ولا أدخل جنتي إلا من كان خفيف الظهر من مظالم العباد ، وأنا العدل الحكيم.
المزمور الخامس والخمسون
معشر الآدميين ، تعاهدوني أنكم لا تعصون ثم تعصون ، أبعفوي تغترون. يا بني آدم ، تتلاعنون فيلعن بعضكم بعضا ، والرجل منكم يمد عينه إلى حرمة غيره ، والمرأة تمد عينها إلى غير بعلها ، ويحكم بني آدم ، أليس كلكم خلق واحد ، لكنكم إتبعتم الشهوات ، وأطعتم الشيطان ، حتى أوردكم المهالك ، نسيتم عهدي ، وضيعتم وصاياي ، أنا لكم بالمرصاد.
المزمور السادس والخمسون
يا داوود ، أبك على خطيئتك في الدنيا بكاء النادمين ، وخوف نفسك وفزعها بنار الآخرة ، فإن نار الدنيا جزء من سبعين جزء من نار الآخرة. يا داوود ، مر بني إسرائيل أن لا يكنزون الطعام حتى يعتق ويفسد ، فإنما جعلته رزقا لعبادي ، فمن فعل ذلك عامدا ، جرعته من صديد فروج الزناة في النار ، ومن أعان أخاه وواساه نصرته نصرا شافيا ، وأنا الحكيم القدير.
المزمور السابع والخمسون
كيف تكلفون أنفسكم فوق طاقتها ، وما كلفتكم به إتخذتموه هزؤا ، وإستخففتم بأحكامي كأنكم لا تموتون ، وأنكم إلينا لا ترجعون ، فأنتم فجائع الدنيا وبنو المصائب. يا داوود ، أتل على بني إسرائيل نبأ ملك دانت له ملوك الأرض ، وخضعت له الجبابرة ، حتى إذا أسرف وسعى في الأرض بالفساد ، وأهمل الحق ، وأظهر الباطل ، وعمر الديار وحصن الحصون ، وكنز الأموال ، فبينما هو في غضارة عيشه وزينته وعبيده ، إذ أوحيت إلى زنبور قد أكل من سم حية ، أن يدخل عليه في مجلسه ، فلدغه وهو بين وزرائه وحشمه في صحن خده ، فتورمت وتفجرت بعد ذلك دما وقيحا ، فشاور الأطباء أن يقطع لحم وجهه ، فقطعه وقوره حتى بقي نقرة ، فنتن ودود ، فكان إذا أجلس عنده أحد ، شم منه رائحة النتن تخرج من دماغه ، فلم يزل كذلك حتى ذهب رأسه كله ، وتساقطت عظامه ، وكان آخر أمره أن مات وهو جثة بلا رأس ، فلو كان لابن آدم عقل لإعتبر وإتعظ بذلك ، ولكن إشتغلوا بلهو الدنيا ، فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يأتيهم أمرنا بغتة ، ولا أضيع أجر المحسنين ، وأنا شديد العقاب.
المزمور الثامن والخمسون
يا داوود ، عجائب الدنيا تنقضي ، ولذاتها ونعيمها إلى زوال ، وكل شيء هالك إلا وجهي ، أيها الناس إنتهوا وأرجعوا ولا ترغبوا في دنيا ، أنت في غد يومها صحيح ، وفي عشيتها سقيم. ابن آدم ، ما تصنع بدنيا يصل بلاؤها إلى المصورين في الأرحام ، فمن أطاعني فإن ثوابه عندي ، ومن عصاني لحقه عذابي وسطوتي ، وأنا الطالب العزيز.
المزمور التاسع والخمسون
بني آدم ، إنما جعلت الدنيا لكم دليلا وطريقا إلى الآخرة ، إن الرجل منكم يحاسب أجيره ومقارضه ، فترتعد من ذلك فرائصه ، وهو يعلم أنه لا يحرقه بنار إن إنكسر عليه شيء من ماله ، وأنتم تكثرون التمرد وتعملون بالمعاصي في ظلم الليل ، وتحسبون أن الظلام يستركم مني ، بل إستخفيتم من الآدميين وتهاونتم بأمري ، أأمنتم أن آمر البقعة التي أنتم عليها تبتلعكم ، ونجعلكم آية للعالمين ، ولكن جدت عليكم بالإحسان ، فإن إستغفرتموني وجدتموني غفارا كريما ، وإن تعصوني وتتكلوا على رحمتي ، وتموتوا مصرين من غير توبة ، فأمركم إلي ، إن شئت عذبت وإن شئت عفوت ، وأنا الغفور الرحيم.
المزمور الستون
بني آدم ، كم أطلقت لكم الألسن ، ونورت لكم الأبصار ، ووصلت لكم الأوصال والمفاصل ، ورزقتكم الأموال ، فلا تجعلوا ذلك عونا لكم على معاصي أبدانكم ، لا نكلف نفسا إلا وسعها ، لا تجمعوا بين النساء بملك أيمانكم ، ثم تميلوا بالمحبة إلى إحداهن ، وتدع الأخرى ، فأميل شدقك في النار ، ولكن أعدلوا بينهن في المأكل والمشرب والكسوة والمتعة ، وإن كرهتموهن فخلوا سبيلهن ، ولا تجالسوا الكذابين ، فإن قلوبهم مسودة من كثرة الكذب ، كم من صحيح مات وما به علة ، وآخر في فراشه عليل عاش دهرا طويلا ، الأمراض تبلي الأجساد ، والذنوب تمحق الأعمار ، وتقتر الأرزاق ، إنصفوا من أنفسكم ، وأخرجوا من التبعات قبل الموت.
المزمور الحادي والستون
يا داوود ، قل لبني إسرائيل لا ينقصوا المكيال ، ولا يلتفتوا إلى ما حرمت عليهم ، ولا يسلف بعضهم الشهادة لبعض ، ولا يقتلوا النفس إلا بالحق ، ولا يعودوا أنفسهم بالإيمان ، ولا يحلفوا بإسمي في كل وقت ، ولا يجعلوني عرضا لإيمانهم ، ولا يشبهوا عقوبتي بعقوبة ، ولا يعظموا الغني من أجل غناه ، ولا يهينوا الفقير من أجل فقره ، ولا يأكلوا الميتة إلا حاجة إليها ، ولا يشركوا بي شيئا ، فإني أنا الرب العظيم الجبار ، المتنزه عن الأولاد ، المبرء من الصاحبة والأنداد.
المزمور الثاني والستون
أنا مولج الليل في النهار ، ومغيب النور في الظلمة ، ومعز الذليل ، ومذل العزيز ، أنا الجبار الملك المتعال. معشر المذنبين ، كيف ساعدتكم أنفسكم على اللهو واللعب والضحك وأيامكم تفنى ، والموت بكم نازل ثم تقبرون في التراب ، الذي كان منه إبتداء خلقكم ، وترعى الديدان في أجسامكم ، ويتبرء منكم الأهلون والأقارب ، وبقيتم في حفركم مرتهنين بأعمالكم.
المزمور الثالث والستون
يا داوود ، أين من جمع فأوعى ، وكثر فأوفر ، وبنا وشيد ، وتكلم فأنصت الناس لكلامه ، أين أصحاب الكنوز الجليلة والأموال العزيزة ، ماتوا وإنقرضوا ، وبقيت تبعاتهم لازمة في أعناقهم وذنوبهم موقوفة على ظهورهم ، كأنهم لا يصدقون بالوعيد ، وكأن هذا الكلام إيماء يعنى به غيرهم ، إنما أحب من عبدي أن يكون طائعا لي مجتهدا في رضائي ، مبغضا للدنيا وزينتها ، فهذا الذي أجزيه جزاء المحسنين.
المزمور الرابع والستون
يا أيها الناس ، إتبعوا ما أنزلت على رسلي ، ولا تتبعوا شهواتكم وتؤثروها على الحق ، فتضلوا أنفسكم ويضل من إتبعكم ، لولا حلمي لعجلت لكم العقوبة لإقتحامكم على المعاصي. يا داوود ، عليك بالرفق ، وقل لبني إسرائيل يكون الرفق والتأني والصبر شعارهم ودشارهم ، فإنما أصل الدين الصبر ، وإن العجلة من الشيطان ، ولا شيء أشرف من التقوى ، ولا أكرم من الصبر ، وبشر الصابرين بكل خير.
المزمور الخامس والستون
يا داوود ، من أحب الآخرة وعمل لها ، لم يهنأ عيشه في الدنيا ، ومن طلب الدنيا فلا يسرف فيها ، وليأخذ منها كفافا ، ولا يسرف فيما كسبه من متاعها ، سوف يحاسب عليه ، ما حرمت عليكم المكاسب من حلها ، ولا منعتكم من الإضطراب في مصالح أموركم ، ولا حرمت عليكم الأغذية والأطعمة ، ولا تزويج النساء ، والرائحة الطيبة ، ولكن أحب منكم أن تطلبوا مصالح دنيا من وجهها ، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وكلما كثر مال العبد كثر حسابه ، ونقص من درجته في الجنة.
المزمور السادس والستون
يا داوود ، المال السيء يورث صاحبه النار ، والمال الطيب يزكوا ويزداد ، ويزيل الهم وينبت لصاحبه جناحا ، ويقربه إلى الجنة ، ويباعده من النار إذا جمعه من حله ، وأنفقه في وجهه ،فأما إذا كسبه من الحرام ، أمرت أن يجمع يوم القيامة ، ثم آمر الزبانية أن يوقدوا تحته فإذا صار نارا ، قسمته نصفين فكويت بنصفه وجهه وجبهته ، والنصف الآخر نجعله جمرا ، وتلتقمه أفواهكم ، كفاكم بهذا زجرا واعظا من كسب الحرام ، وإقتراف الآثام.
المزمور السابع والستون
يا بني إسرائيل ، أذكروا نعمتي عليكم وعلى آبائكم الأقدمين ، وحملتكم في البر والبحر ، ورزقتكم من الطيبات ، وأنا العزيز الحكيم.
المزمور الثامن والستون
يا داوود ، قل لبني إسرائيل ، لا تكثروا الصلاة في الثياب الحرام ، ولتكن ثيابكم ظاهرة من حلها ، يا عبدي كيف تعصيني ، وأنا أنزل عليك في كل يوم رزقا جديدا ولكن غركم حلمي عنكم ، تعاليت وتقدست أن أقاس بالمخلوقين.
يا داوود ، قد جعلت هذه الكتب التي أنزلتها على رسلي ليزجروا بها عبادي ويحذروهم ويخوفوهم ويبشروهم بما أعددت للمحسنين منهم. دعوا العجلة وملاحات الرجال تسلم أديانكم ودنياكم وأعمالكم.
المزمور التاسع والستون
يا بني إسرائيل إلبسوا لكل حين لباسه وعليكم بلباس التقوى وأكثروا من الدعاء فإني أحب من يدعوني بنية خالصة ، فإذا فعلتم ذلك كانت جنتي لكم مفتوحة. يا داوود ، إن النساء قد ملكتم نواصيهن بالأمانة فأحسنوا إليهن وأدبوهن ولا تقتروا عليهن إذا كان لكم سعة ، فإني أنا الله الرزاق ذا الخزائن الواسعة. يا داوود ، قل للزناة من زنا بالأمهات من حرم الناس سلطت على أمه من يزني بها أو من كان من عقبها ، وكذلك من زنا بالأزواج ولم يكن له حرمة أنزلت به يوم القيامة أشد العذاب إني غيور وأحب عبادي إلي من كان له غيرة على حرمه وحرم الناس ، وسيعلم الذين ظلموا أنهم هم الخاسرون.
المزمور السبعون
من قصد الصواب وجده لا سيم الذين يطلبون السلامة في الدنيا وترك الأمور قد ودعوا الدنيا لأهلها يدعون آناء الليل والنهار ولا يفترون فزعا من النار وصولتها على من عصاني نفوا النوم عن أعينهم. إن الصادقين والصادقات لهم الفوز الأكبر والمسلمين والمسلمات لهم الخضوع والمؤمنين والمؤمنات لهم توفير الأعمال الزاكيات ، فأما الصيام فإنه جنة ووقاية من النار وإن العافين عن الناس والكاظمين الغيظ هم الذين ينجون على الصراط وأنا القوي العزيز.
المزمور الحادي والسبعون
يا داوود ، من أكثر الاستغفار أكثرت له الرزق والأموال والأولاد ونشرت عليه الرحمة ومن أسرف في الذنوب ولم يستغفرني منها كان مثله كمثل رجل كسبه العدو في بيت ليس له منه محيص ولا مهرب. يا داوود ، مر بني اسرائيل إذا آخوا لوجهي أخا فليواسوه في المطعم والمشرب واللباس ، ولا يمتنوا بما يفعلوه فإن ذلك يذهب الأجر. ابن آدم ما غرك بي ألا افتكرت في إبتدائك كيف خرجت من ظهر أبيك نطفة زفرة فحصلت في بطن أمك فدبرتك بحملي ولطيف صنعي حتى كملت أيامك فأخرجتك إلى الدنيا قطعة لحم لا تفهم ولا تعقل فلما كملت بارزتني بالمعاصي. يا داوود ، لم يكن شيئا أحسن من وجوه إنقطعت إلي في غسق الليل ، يا داوود ، وعزتي وجلالي لخدمتك على وجهك في الثلج البارد وفي الرمضاء الحارة أهون من مناقشتي إياك الحساب. يا داوود ، إن حوتا يقال لها بهموث تحمل الأرضين وما عليها طعامها كل يوم عشرة حيتان منها ما طوله ثلاثة أشهر لا يقدر على شبعه غيري ، أم من ذا الذي يطعمكم العسل المصفى الذي جعلت فيه شفاء للناس يخرج من بطون النحل غيري ، أم من ذا الذي يخرج لكم من دودة الحرير فتجعلون منه أصناف الثياب وأحسنها غيري ، أم من ذا الذي ينشىء السحاب تحمل الماء فينزله على الأرض فتهتز وتحيى بعد موتها وتنبت لكم من كل شيء غيري ، أم من ذا الذي يخرج الحي من الميت والميت من الحي غيري ، أم من ذا الذي يصوركم في بطون أمهاتكم غيري وجعل لكم أعينا تبصرون بها لون الأسود والأبيض والأحمر والأصفر غيري ، وجعل لكم مناخر تشمون الطيب الرائحة والمنتن وجعل لكم الأسماع تسمعون بها الأصوات الحسنة والفظيعة غيري ، وجعل الألسنة وركبها في الأفواه ولتذوقوا بها طعم الحلو والحامض والمر وغير ذلك من أصناف الطعام هل يقدر بخلق ذلك أحد غيري.
يا داوود ، لو اجتمع الثقلان من أهل السماوات والأرض على ان يخلقوا ذبابا فيه روح يتحرك ما قدروا على ذلك ، يا داوود ، أنا خالق النور والظلمة يا ابن آدم لا يزال يصعد إلي في كل يوم ملكان بصحيفتك مملوءة من عظائم أعمالك وقبيح أفعالك وعزتي وجلالي لأوقفن الخصم مع خصمه وأسأله عن مثاقيل الذر وما دونه وأنا الملك الحق المبين.
المزمور الثاني والسبعون
من أكثر الالتفات إلى مجالس الظالمين إيود قلبه وانمحت الحكمة من صدره فبعدا للظالمين وسحقا ، يا داوود ، لاتركن إلى الظلمة فتحترق بالنار ، ابن آدم ما غرك بي عدوك بطرحك في الأماني حتى إرتكبت محارمي وتلذذت بها لا خير في لذة بعدها النار ، غضوا أبصاركم عن حرم الناس ، يا داوود ، لو علق ثوب الزاني الذي أكسوه إياه في النار بالمشرق لاحترق من في المغرب ، ابن آدم لو زنت الشمس لمسختها حجرا.
ياداوود ، إن تاب إلي عبدي صفحت عنه ما تقدم من ذنبه وأنسيت حفظته ما كتبا عليه والجنة مأواه وأنا القوي العزيز.
المزمور الثالث والسبعون
الحمد لله الحق بارىء النفوس وخالق الخلق وباسط الرزق لم يكن له وزير وازره ليستعين به على كون الأشياء وتدبيرها لكنه دبر الأشياء بقدرته وأحاطها بعلمه فتبارك الحي الذي لا يموت ولا ينام ولا يسهوا ولا يغفل. أيها الناس لا تستعملوا بينكم الغيبة والمنكر والخديعة ولتكن قلوبكم طاهرة بذكري فإن صلاح الدين بصلاح القلب ، طوبى للذين صفت قلوبهم من الغش وجوارحهم من البطش في الحرام لم يأخذوا على كتابي أجرا ولا على أحكامي رشوة. يا داوود ، لا تبسط لسانك على مملوكك ولا تكلفه من العمل ما لا يطيق فكم من مالك يوم القيامة صار مملوكا لعبده. يا داوود ، أمسك لسانك عن الشتم للناس والغيبة واستحي من الحفظة الكرام. يا داوود ، تجنب مجالس الظلمة والأثمة والحالفين باسمي كذبا وهي الأسواق وأهلها إلا القليل منهم. يا داوود ، إني لما خلقت السماوات والأرض خلقتها بلا تعب ولا نصب وزينتها بالنجوم ثم أمرتها بالطاعة فأطاعت خاضعة وحفظتها من كل شيطان لئلا يسترقون أخبار السماوات وما أريد أن أستره عن خلقي ، وكل ما جاءت به رسلي حق لأنه وحي أوحيته إليهم. قتل الخراصون الذين يزعمون أنهم يخبرون بما في السماوات وكيف يعرفون ذلك ولا يدري أحدهم ما يصبح عليه ولا فيما يمسي. يا داوود ، من إشتغل بالكذب وتعوده أزلت هيبته من قلوب عبادي ولم أجعل له وزنا يوم القيامة ومن إستعمل الغضب أسقطته من درجات الصالحين ومن عظم الأغنياء طمعا في أموالهم نقص من إيمانه. يا داوود ، قد ضربت الأمثال للعقلاء وجعلت كتابي بلاغا لقوم يعلمون. يا داوود ، قل لبني إسرائيل يداووا جروحهم بالاستغفار وليجعلوا ذلك في وقت الأسحار أدر عليهم أرزاقهم. يا داوود ، من زهم أن لي ولدا أو شريكا فقد إفترى علي كذبا ، أين الشريك عند جعلي الحلو والحامض من شجرة واحدة يابسة تسقى بماء واحد ، أين الشريك حين تصورون في الأحشاء ذكرانا وإناثا ، تكاد السماوات والأرض تخر من هذا الكلام ، إنما مثل الدنيا كماء نزل على وجه الأرض فهبت عليه الرياح فجف.
المزمور الرابع والسبعون
يا داوود ، من جعل الموت بين عينيه وأكثر من ذكره هانت عليه مصائب الدنيا ، ومن إشتغل بالدنيا وجمعها ولهوها هجم عليه الموت من حيث لا يعلم. يا داوود ، الموت موكل بكم لا يدع الشاب ولا الشيخ. يا داوود ، الويل لمن تأتيه رسلي لقبض روحه وهو مصر على الزنا والمعاصي غير تائب وأشد من ذلك ويلا من كانت قبله مظالم الخلق وتبعات المخلوقين. يا داوود ، والليل إذا أظلم والنهار إذا استنار والسماء الرفيعة والسحاب المسخر لنخرجن المظالم من أهلها ولندفعنها إلى مستحقها كائنة ما كانت من حسناتكم إن كان لكم حسنات وإلا طرحت من سيئات المظلوم على الظالم. يا داوود ، السعيد من أخذ كتابه بيمينه وانصرف إلى أهله مسرورا ناضر الوجه ، والشقي من أخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره وانصرف إلى أهله مسود الوجه ، مائلا شدقه إلى صدره ، مدلى لسانه مسحوبا على وجهه إلى النار وبئس المصير ، لعنتي عليه نازلة وسخطي عليه مقيم. يا داوود ، أنا الذي أعلم غيب السماوات والأرض ، وأعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وأنا السميع العليم.
المزمور الخامس والسبعون
إني أنا الرب رب كل شيء ، لا إلاه إلا أنا أرضى عن عبادي الصالحين بطاعتي وأسخط عليهم بمعصيتي أنا الله لا إلاه إلا أنا تعاليت وتقدست علوا كبيرا ، لي المن ولي القدرة ومن عندي الرحمة ، أنا الله قهرت خلقي بالملك والملكوت والعز والجبروت ، وأتممت عليهم نعمتي ورحمتي ولي الأسماء الحسنى ، وأسمائي على قدر أفعالي أنا الله قهار لخلقي أنا الرب الرؤوف الرحيم الحميد القديم الرقيب على كل نفس بما كسبت أنا البر الرحيم الودود الشكور أرزق عبادي وجميع خلقي ولا أكلهم إلى غيري تعاليت بعلوي وتجبرت بقهري وتعظمت بسلطاني وتعززت بعقوبتهم من أجل أفعالهم الخبيثة ، أنا الله المنان وسعت رحمتي كل شيء ، رحمتي سبقت غضبي أنا الله الجبار أرحم من عبادي كل رحيم برحمتي أنا الله تعاليت فلا أحد ينازعني في ملكي. يا داوود ، أنا الواحد القهار العزيز الجبار الفرد القادر ، الويل لمن إغتر بي وعصاني.
المزمور السادس والسبعون
يا داوود ، أنا الله الواحد الصمد الفرد تعاليت على سبع سماوات فلا عين تراني أنا الله الرحمان الرحيم فوق كل شيء وأنا خير الناصرين. يا داوود ، كل ملك إلى زوال وملكي لا يزول وكل نعيم إلى نفاذ ونعيم الجنة لا ينفذ ، الويل للمغترين بحلمي عنهم ، طوبى للمؤمنين الذين تصوروا يوم الحساب والعرض علي وهول الموقف ففزعوا وارتعدوا وأخذوا حذرهم وعملوا صالحا. يا داوود ، أعبدني حق عبادتي وإن كنت لا تقدر فعلى قدر طاقتك ، وإياك والفخر فإن مصيرك إلى القبر فما لأحد عندي يد إلا أن لقيني طائعا أو تائبا من ذنبه نادما على ما قدمت يداه فإني غفور رحيم. يا داوود ، إن العلم النافع الذي يقربك مني حتى تعرف به جلالي وعظمتي وجبروتي. يا داوود ، ما وصل من وصل إلى جنتي إلا بمعرفته إياي. يا داوود ، وعزتي وجلالي لا عذرت بالجهالة أحدا من خلقي ، لأني قلت في كتبي المنزلة على أنبيائي إن كنتم لا تعلمون فاسألوا أهل العلم فمن تركه فقد أساء. ابن آدم كيف تدع العلم وإنما يصلح لك دينك ومعرفتي بمعرفتك للعلم ، أنا الله الذي أذللت رقاب خلقي بالموت وقهرتهم ، أغيث من استغاثني وأرحم من سألني الرحمة وأنا أرحم الراحمين.
المزمور السابع والسبعون
لا اله الا هو الكائن قبل كل شيء وهو الباقي بعد فناء كل شيء ، العزيز المتكبر يعفو بحلم ويأخذ بقدرة ، يا داوود ، أنا الله غاية كل مطلوب وغياثه المفرج عنه الكرب ، يا داوود ، أنا العزيز فمن نازعني في ملكي وتكبر قصمته ، أنا الذي ألنت لك الحديد وسخرته لك حتى عملت منه لك ولقومك ما ترد عنهم بأس الحرب ، يا داوود ، أنا أغيث كل من استغاث بي ، وأخلص الهلكى بعد اشرافهم على الموت حين تنقطع بهم الحيل ، وأنا على كل شيء قدير وبكل شيء عليم.
المزمور الثامن والسبعون
يا داوود ، أنا الله الواحد أنزلت عليك الكتاب وبينت لك فيه جميع فرائضي وأحكامه فخذ ما آتيتك بشكر أدعني أستجب لك ، للخطائين سوء الحساب يوم القيامة ، يا داوود ، أنا ولي الخلق من توكل علي كفيته ومن دعاني أجبته ومن سألني الرزق لم أحرمه ومن توكل على غيري أسلمته إليه ، يا داوود ، لا اله الا أنا تواريت دون الحجب عن خلقي فلا عين تراني وتعاليت باسمائي المقدسة الطاهرة المطهرة ، بصولتي هتكت كل حجاب وقصمت كل جبار ، أنا النور الذي استضاء بنوري من في السماوات ومن في الأرض ومن تحت الثرى ، لا عين تراني فتجدني أنا الحق المبين.
المزمور التاسع والسبعون
يا داوود ، كم لي من نعمة ظاهرة ورحمة مبسوطة وحجة قائمة على عبادي ، الويل لمن لا يتفكر في ربوبيتي وعظيم قدرتي ولا يخاف عقابي كيف لا أشعله في ناري.
يا داوود ، طوبى لمن آمن بي وصدق برسلي وأخلص قلبه في طاعتي وتفرغ لعبادتي ، يا داوود ، أنا قادر أن آخذ من بارزني بالمعصية ولا أمهله ، ولكن عرفت بالحلم فأدعه لعله يرجع ويتوب فأتوب عليه وأنا التواب الرحيم ، الويل لمن لا تسعه رحمتي التي وسعت كل شيء ، لا اله إلا أنا أرزق كل بر وفاجر إلى يوم تأتيهم آجالهم ولا أمنع العصاة أرزاقهم بما يرتكبون من المعاصي.
يا داوود ، أنا المتعالي الجواد كم من خاطىء مذنب قد غفرت له وجزاء الكافرين النار ، يا داوود ، بلغ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم.
المزمور الثمانون
يا داوود ، إني أنا الله ديان السماوات والأرض فويل لديان الأرض من ديان السماء ، يا داوود ، لو رأيت قضاة الدنيا وحكامها كيف يردون على القيامة كما يخرجون من قبورهم ويد كل واحد منهم مغلولة إلى عنقه ولا يفكها ويزيلها عن عنقه إلا عدله في دار الدنيا ، يا داوود ، أنا الله المغيث فمن أغاث ملهوفا غفرت له ثلاثة وسبعين مغفرة واحدة منها أصلح بها دينه واثنتان وسبعون أجعلها له درجات في الجنة وأنا الجواد الغني وأحب عبادي إلي أنفعهم لعبادي وأحب أوليائي إلي من أحب الفقراء والمساكين إلا من أحب أوليائي أحبه وتحبه الملائكة ومن عاداهم فقد عاداني ، فاستعذ من سطوتي ونقمتي أنا الله الصادق أحب كل صادق وأبغض الخلق إلي أكذبهم ، من كان صادقا حشرته في زمرة الصادقين ومن كان كاذبا حشرته في زمرة الكاذبين.
المزمور الحادي والثمانون
يا داوود ، أنا الله الكريم ، أنا قوة كل ضعيف أنا عز كل ذليل ، أنا الملك الأعظم وكل ملك دون ملكي حقير ، لا شريك لي في ملكي وأنا الغني عن خلقي وخلقي مفتقرون إلي ، أفرج عنهم الكروب أوسع على كل معسر مؤمنا كان أو كافرا ، طوبى للحامدين الذين يحمدوني ويشكروني في كل شدة ورخاء.
يا داوود ، طوبى لمن ذكرني وذكر إسمي بين الغافلين وذكرهم من سهوهم وغفلتهم ذلك الذي أعطيه أجره مرتين. يا داوود ، طوبى للعلماء الذين انتفعوا بعلمهم وعلموه لمن انتفع به أولئك هم الآمنون الفائزون يوم القيامة. يا داوود ، انما مثل العالم الذي ينفع الناس بعلمه ولا ينتفع هو بعلم نفسه كمثل السراج التي تضيء للناس وهي تحترق ، ومثل العالم الذي ينفع الناس بعلمه وينتفع هو به كمثل شجرة طيبة الثمرة كثيرة الورق تأكل من ثمرها وتستظل بظلها.
المزمور الثاني والثمانون
طوبى للذين حفظوا الحكمة وعملوا بها ، والويل لمن لم يكن له من نفسه واعظا وزاجرا. يا داوود ، الحكمة ضالة المؤمن وطلبة المسلم فلا تمنعها من اهلها فتظلمهم ولا تعطيها لغير أهلها فتظلمها.
يا داوود ، إن العلماء إذا إنشقت عنهم القبور يوم القيامة نزلت عليهم ملائكة الرحمة تزفهم إلى المحشر ويصير علمه بين يديه نورا يستضيء به ، والذي يعلم ولم يعمل بعلمه فأنا أشد عليه غضبا من عبدة الأوثان الذين يدعون معي شريكا ، وذلك أنهم إذا إنشقت عنهم قبورهم نزلت عليهم ملائكة النقمة يزفونهم إلى المحشر ويصير علمه بين يديه ظلمة يتخبط فيها.
يا داوود ، خزائن السماوات والأرض بيدي فمن عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو قترت عليه لم يتم له شيء من أمور دنياه وآخرته ومنهم من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لبطر وتمرد وكفر بنعمتي. يا داوود ، ما خلقت خلقا أهون علي من الدنيا فمن طلبها هان علي قدره وانحطت درجته ، وما خلقت أعز ولا أشرف عندي من الجنة فمن طلبها وعمل لها جل قدره ورفعت درجته.
يا داوود ، من طلب من الدنيا من ما يستر به حاله ولم يجعلها ذخيرة باركت له فيما قسم له ، ومن أخذها بغير حقها من غير حلها أدخلته ناري وأعفوا عنه إن تاب قبل موته وأنا التواب الغفور.
المزمور الثالث والثمانون
يا داوود ، إرحم اليتيم والأرملة والمملوك وتحنن عليهم وارفق بهم حتى أكون لك كما تريد. يا داوود ، لا تكن فظا غليظا فيهينك أهلك وخيرتك وأبغضك أنا من فوق عرشي.
يا داوود ، إياك وارتكاب الخطيئة فلو رأيتهم يوم القيامة لعرفتهم يوم الحساب بارتكاب خطيئاتهم وهم منكسرون ذليلون. يا داوود ، سبحاني أنا الذي أعززت أهل طاعتي لطاعتهم لينالوا شرفا وعزا وكرامة في الدنيا ولهم في الآخرة الفوز الأكبر.
يا داوود ، سبحاني أنا ذللت أهل معصيتي بعصيانهم لينالوا في الدنيا ذلا ونكبة ولهم في الآخرة العذاب الشديد وأنا سريع الحساب.
المزمور الرابع والثمانون
أنا المهيمن القدوس الطاهر من الأدناس جل وجهي وعظم شأني ، لا راد لقضائي ولا معقب لحكمي أنا الاله الفرد الصمد الذي لا تدركه الأبصار ولا تحده العقول والأوهام إذا أردت شيئا إنما أقول له كن فيكون وأمري بين الكاف والنون ليس فيه تأخير. يا داوود ، أنا معدن الجود والكرم وغاية الطالبين ومنجاة الهاربين أين يفر العبد من قضائي وأين ملجؤه.
يا داوود ، إذا صاح السائلون واستكانوا إلي بالدعاء بقلوب خالصة أجبت دعاءهم وقضيت حوائجهم وأنا الرب الشكور كافي من في السماوات ومن في الأرض أذل من أشاء كيف شئت وأتصرف في ملكي كيف شئت وأعز من شئت قد ألهمت كل عبد لما خلقته له فشقي وسعيد.
المزمور الخامس والثمانون
يا داوود ، بعزتي عليت وبقوتي قهرت ودان لي من في السماوات والأرض وأنا الغني عن عبادتهم ، أرأيتم ما أنزلته من السماء من ماء فاسقيت به الأرض فأنبتت لكم من كل شيء وجعلته رزقا لكم ولبهائمكم أكان لكم صنع في نباته. يا داوود ، من خشيتي تصدعت الجبال وارتعدت وكادت أن تغوص في الأرض.
يا داوود ، كل من في سماواتي وأرضي خائف من سطوتي وعذابي ، هل عندكم من حجة تحتجون بها علي أنا صاحب الحجج ، أتقولون علي الكذب وأنتم تعلمون أني لم أخلق السماوات والأرض وما عليها إلا بالحق. يا داوود ، إن القلوب الميتة إذا سمعت كلام الحق عاشت به وأنست إليه وهي القلوب الزكية الواعية للخير ، أقسم باسمي أن ملائكتي تصلي عليهم وأنا العزيز المنيع.
المزمور السادس والثمانون
ما كل من طلب لعدوه هلاكا قدر على هلاكه ، ولا كل من دعا دعوة سمعت منه أجيبت دعوته ، ولا كل من قصر في التوكل علينا ضيعناه وأحرمناه الرزق ، ولا يلحقني في ذلك ضجر بل أجود عليهم وأنا الجواد الكريم. ينبغي للعاقل الفطن اللبيب أن يتفكر في أوقات الليل وساعات النهار.
يا داوود ، أنا الرب الذي لا ينقطع ذكري من قلب من عرفني ، واعلموا أن الاستغفار يمحق الذنوب كما تمحق النار الكثير من الحطب كم من عبد غفرت له من حيث لا يدري ، وقل لبني إسرائيل يتواهبون ويتواصلون في طاعتي لحب جنتي ، وقل لهم لا يقصروا في الرغبة والدعاء أوجب لهم منازل الصديقين الذين هم آمنون يوم الفزع وذلك جزاء الطائعين.
المزمور السابع والثمانون
ما كل من طلب الدنيا بالظلم تمت له الاخرة ، ولا كل من طلب الطريق الى الله بغير علم وصل إليه وقد أوجبت سخطي على من زاد في كتبي شيئا أو نقص منها شيئا ، فمن فعل ذلك فقد إفترى علي كذبا.
رتل الكتاب ترتيلا وخذ ما آتيتك وقم بشكره وإياك وتحريفها ، وارفع صوتك حتى يسمعك الوحش فيعرف آياتي فإنك إمام الى الجنة ودليل على الرشاد. يا داوود ، لا تندم على خير تصنعه مع كل الناس فإن الندامة على الخير تحبط الأجر وأنا ذو الفضل العظيم.
المزمور الثامن والثمانون
الله لا إله إلا هو محمد عبده ورسوله يخرج في آخر الزمان تدين له العرب ويقهر العجم ويفتح مشارق الأرض ومغاربها ، هو خير الأنبياء وسيدهم وأفضل الخلق وأكرمهم على الله تبارك إسمه وجلت قدرته طوبى لمن إتبعه وطوبى لمن هاجر معه وطوبى لمن إقتدى به. يا داوود ، كن عارفا بكبريائي وإياك والعزة ، تمسك بوصيتي التي أوصيت إليك بها وتمسك بدين آبائك وما أنزلت إليك إلا كما أنزلت على من كان قبلك ، إبراهيم وموسى ، طوبى لمن عمل بما أنزلته ، طوبى لمن أسكنته جواري.
يا داوود ، لو رأيت ما أعددته لأوليائي في دار كرامتي ما لم تراه العيون ولا خطر على قلب بشر لقرت بذلك عيناك وأنا ذو الفضل الواسع.
المزمور التاسع والثمانون
لعزتي إستقرت الجبال في مواضعها وصارت أوتادا لئلا تميد بكم الأرض من خوفي ووقفت البحار إلى حدها ولولا ذلك لأغرقت البحار الأرض ومن عليها ، لكن قلت لها قفي مكانك فلم تجاوز ما حددت لها خوفا مني ومن سطوتي وذلك بتدبيري وأنا السميع القريب.
المزمور التسعون
من فكر في قدرتي وأخلص لي سريرته حسنت علانيته وكيفته ما همه ، ولو بسط الرزق لعبادي حق البسط لبغوا في الأرض بغير الحق ، ولكني أنزله على عبادي بقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
المزمور الحادي والتسعون
من عرفني حق معرفتي وفيته أجره مرتين موفرا من أجل أنه عرفني حق المعرفة ، وأنا أوفيه أجره غير منقوص لأني أعطيت كل نفس ما كسبت في دار الدنيا فإذا إنقطع إلي عبدي وأكثر من الدعاء كفيته كل هم وغم وما يحذره ووفقت له الخير كله وعظمت قدره في الدنيا وجعلت له مهابة في أعين الناس ولم يكن له جزاء عندي إلا الجنة وذلك جزاء المفلحين.
المزمور الثاني والتسعون
من آثر هواه على الآخرة لم يتم له في الدنيا ما يريد فإن تم دخل عليه فيه الآفات ، ولم يتهن بسرور ومن سبق بالتوبة كان على ثقة وإستراح قلبه ، أما تعلمون أن ما يتم أمر في الأرض ولا يحدث حادثة حتى أتممه أنا ،وأنا أعلم خطرات نفوسكم وحركات أعضائكم.
من تكلف الحرص وأبذل المجهود في جميع أعمال الدنيا والآخرة عجز عن ذلك وأضر بخاطره وأتعب في ذلك جوارحه ولكن إرفعوا وكلفوا ما تقدرون عليه فإني لا أكلف نفسا إلا وسعها والله لطيف بعباده ، وقد جعل لكم أسماعا وقلبا وأبصارا ، وقلت لكم إسمعوا ما أنزلت عليكم في كتبي من الإعذار والإنذار فلم تفعلوا ، بلى إذا رأيتم شيئا من اللهو سمعتوه وآثرتموه وقلتم أبصروا إلى ما خلق لكم من العجائب في الدنيا من خلق السماوات والأرض والجبال والشجر وصنوف البهائم وغير ذلك ، فلم تفعلوا واشتغلتم بشهوات قلوبكم وقلت لكم تفكروا واعتبروا وابصروا وامشوا في الأرض وانظروا إلى أثر الذين كانوا من قبلكم في الأرض وعمارتهم لها وكانوا أكثر منكم جسما وقوة فما أغنى عنهم ذلك شيئا ، فما أيقظك ذلك من غفلتك ولا بصرك لصلاح حالك ليكون لك في الآخرة حظا ونصيبا وافرا ، فأبيت إلا إتباع شهواتك وما يرديك في النار ، إنتبه من غفلتك فإنك تجازى على عملك وخاب من لم يكن له في الآخرة نصيب والله خبير بأعمالكم.
المزمور الثالث والتسعون
من صرعته الدنيا حسن منقلبه فيها وساء معاده في آخرته ، من طلب الآخرة بدنياه وعمل الخير فهو الموفق ، ومن طلب الدنيا وسعى لها أخر بآخرته التي هي قوام أمره وإليها مصيره ، ومن إجتهد في الآخرة وعمل لها بصدق وصل إليها وكان أوفر الخلق حظا في الآخرة الذين يقومون الليل يتلون كتابي ويناجوني بقلوب خائفة وأعين باكية وألسن رطبة من ذكري ، أيحسبون الذين يرتكبون المعاصي ويجترحون السيئات أن نجعل منزلتهم في الآخرة كمنزلة أوليائي ، هيهات أيها المذنب الخاطىء اغسل ذنوبك بالتوبة وأبكي على خطاياك وكن من النادمين حتى أعلم ذلك من قلبك وأمحص عنك سيئاتك وأدخلك جنتي ولا أبالي. طوبى لعبد أبصر فتفكر ثم اعتبر ولم يصر على معصيتي ومن مات مصرا على معصيتي لم يكن له نصيب من الآخرة إلا أن أتداركه برحمتي وأنا أرحم الراحمين.
المزمور الرابع والتسعون
من إتقاني رزقته وكفيته من حيث لا يدري ومن سألني سؤالا خفيا يتضرع وتذلل مع نية صادقة وعمل صالحا أعطيته ما تمنى وجعلت مأواه الجنة ، ومن تعرض بما ليس له وجعل ذلك من شأنه أدخلته ناري إلا أن يتوب ، قد جعلت لكم التوبة رحمة مني ورفقا بكم لتتوبوا من ذنوبكم فأتوب عليكم وأغفر لكم فتركتموها ثم توعدون أنفسكم حتى إذا جاء الموت وأنتم في غفلة وقدمتم علي بغير زاد وأنا لا احب المفسدين.
المزمور الخامس والتسعون
من صان نفسه عن المعاصي صنته عن الأعداء ومن قبض لسانه عن فضول الكلام فقد صان البدن كله لا سيما إن كدح إلي كدحا وكان سعيه مشكورا ، فاعلموا ثم اعلموا وإذا عملتم فاخلصوا العمل تصلوا إلى رحمتي ولا تبعدوا منها بل تكونوا كايديكم إلى أفواهكم ، وأمروا بذك أهلكم وإخوانكم واتقوني واعبدوني واسجدوا إلي.
المزمور السادس والتسعون
إنما مثل الحاسد الذي يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله وإحسانه كمثل الجرح الثعل الفاسد يعالج بالأدوية فينغلق وينختم على فساد ولم يكمل برء داخله وكذلك الحاسد يرضيك بحلاوة لسانه وقلبه عليك مملوء حسدا. يا ابن آدم تذهب حسناتك منك بالحسد لأنك لم ترضى بحكمي ولا بقضائي أريد شيئا وأنت كاره له سلم الأمر إلي تسلم ، يا معشر الخلق إن في معرفة آياتي عبر لأولي الألباب وفكرة لقوم يعقلون.
المزمور السابع والتسعون
من علم أني خالقه أريد له الخير ولم أخلقه عبثا وخافني وعبدني واجتهد في طاعتي رحمته وتجاوزت عنه ما مضى من سوء عمله ، إن البعيد من المعاصي هو القريب مني والعبد إذا أوبقته المعاصي والخطايا بقي متشبثا فيها مرتبكا وليس ينجيه إلا صالح الأعمال وينبغي للعبد أن يعمل لآخرته لا لدنياه لأن الذين شغلتهم الدنيا عن الآخرة عقولهم محجوبة عن الملكوت ودعاؤهم لاترفعه الحفظة وكفى بنا حاسبين.
المزمور الثامن والتسعون
قد خسر وخاب من بطشت به وأفلح وسعد من رضيت عنه ، يا داوود ، الكذاب الأفاك النمام لا يلتفت إلى عيوبه ولا يسقط عنه الكذب والنميمة ، يا داوود ، قدسني أنجيك من درجة الهالكين وأعطيك ثواب الشاكرين وأنا السميع لدعائكم إذا دعيتموني السامع لأصواتكم إذا سألتموني البصير بخفي سرائركم ومكنون أخباركم المحيط بأعمالكم وأنا القوي الشديد العقاب.
المزمور التاسع والتسعون
إعملوا الخيرات واجتنبوا المعاصي واحضروا الحفظة منكم خيرا أشكر لكم ذلك وأرفعه عندي في عليين ، واعلموا أن المعاصي تعمي القلوب عن الهدى وتؤدي العبد إلى النار وبئس المصير ، أما تعلمون أن الذنوب أعظم الداء لابن آدم لأن الداء يبرأ بالدواء والذنوب دواؤها الاستغفار بعد التوبة فاستغفروني تجدوني عند ظنكم بي كريما عزيزا.
المزمور المئة
إصلاح العمل الصالح ورتبته أشد وأرجح من البطش به بلا إخلاص ألم يكف الذين يذنبون أني سترت عليهم قبيح أفعالهم وهجومهم على المعاصي حتى عادوا لا يريدون إلا هلاك أنفسهم بتماديهم ، من أحسن شكرنا أحسنا إليه ومن أساء ثم أقلع عن إسائته غفرنا له ما سلف من ذنوبه فليستأنف العمل فيما بقي من عمره هذا جود على خلقي ورفق بهم لأني أنا المعروف بالكرم والأفضال ، لا تدمنوا على المعاصي ولا تسارعوا إليها فليس يدري العبد متى ينزل عليه القضاء فاحذروا وانتهوا وارجعوا إلى الحق تسعدوا أما الحفظة الملكين الكرام الكاتبين يكتبان عملك وهما الشاهدان على ما تعملوه من خير وشر وأنا الرقيب على أعمالكم وسر سرائركم فاحذروني إن عذابي شديد.
المزمور المئة وواحد
قد أفلح من دعاني وسبحني ولم يفتر من دعائي وتسبيحي وأوصل من تسبيحه تقى وعملا صالحا ، قد أفلح من لم يقرب الفحشاء ما ظهر منها وما بطن ولم يتشبه بالأثمة فإن الإثم يباعد مني ، وجانب السحرة فإن السحرة هم يكيدون لك كيدا عظيما فإن من طلب التوبة وضع خده لي بالتضرع والإستكانة ، فما من عبد تخرج روحه من جسده حتى يجول بصره في ملكوت السماء فيعلم أين مصيره شقيا كان أو سعيدا ، لو لم يكن لابن آدم غصة يغتص بها غير الموت لكان له فيه كفاية ومقنع ونهاية.
المزمور المئة واثنان
لو نظرتم بأبصار القلوب إلى عظيم خلقي ولطيف صنعي وما أنزلت من السماء من المنافع لهانت عليكم أنفسكم ولعرفتم بعلم اليقين أنكم عصيتم جبارا جوادا كريما ولكن عميت أبصار قلوبكم عن الحق واتبعتم الباطل وسولت لكم أنفسكم الخطايا فبئس ما سولت لكم أنفسكم ، أيود أحدكم أنه ملك الدنيا بما فيها من نعيمها وزخرفها ولذاتها ويكون بعد ذلك مبرءا مباعدا من رحمتي أكان يرضى بذلك ولن يرضى بذلك إلا من لم يعرفني إذا لقد رضي لنفسه بأصغر النعم. أيود أحدكم أن أناقشه الحساب وعزتي وجلالي أيما عبد ناقشته الحساب فلو كان له ملك الدنيا بما عليها لافتدى به من ذلك ولم تنفعه الندامة وأنا سريع الحساب.
المزمور المئة وثلاثة
من ألح بالدعاء ضمنت له الإجابة ومن طلب الإحسان إلى نفسه بالطاعة نال مراتب الصديقين ومن أقرضني أعماله الزاكية استوفاها موفرة عند وقت الفجيعات والشدائد ، من أجل أن المذنب لما ألبسته العافية وصححت بدنه ووهبت له السلامة تمرد علي واستعان بنعمتي على ما يقربه من ناري ، ومن تمكن منه الشيطان استزله وأغواه ، فاحذروا منه فإنه عدو أبيكم من قبلكم ومن أبى إلا متابعة شهوة نفسه فقد باء بسخطي ووجبت عليه لعنتي ولم يأمن مكري وأنا شديد الأخذ والبطش.
المزمور المئة واربعة
الله الكبير وهو ولي من لا ولي له وناصر من لا ناصر له وهو الأول القديم ، نواصي العباد في قبضته يتقلبون ولأرزاقه الواسعة يأملون وعلى احسانه يتوكلون وهم في عبادته راغبون ، يعبدون الرب خوفا من عذابه ولو فرطوا في العبادة لكانوا مقصرين وفي أعمالهم عاجزين ، وهو يقبل منهم اليسير من الأعمال لأنه يعلم ما كانوا عليه في ابتدائهم وما يصير إليه منتهاهم وذلك لأنه خلقهم من ماء مهين فأودع في قرار مكين إلى الوقت المعلوم ، سبحان الله أحسن الخالقين وهو أوسع الرازقين وأكرم الأكرمين.
المزمور المئة وخمسة
أنا الرب الذي أحطت بكل شيء علما ، أنا الرب الذي لم أسأل المخلوقين شططا من العبادة ولم أكلفهم من الأعمال إلا ما استطاعوا وما تطيقه جوارحهم ، فإن يشكروني على ما أوليتهم من النعم ووفقتهم من الأعمال الصالحة الزاكية أعطيتهم على ذلك المواهب الزاكية وهكذا صنعي بعبيدي الذين لهم العقول والأفهام والتفكر في خلق أنفسهم وفي خلق السماوات والأرض ، والعاقل من عقل لسانه عن الكلام إلا في ذكري بالتسبيح والتقديس. من سلم أمره إلي كفيته جميع همومه كلها ، ومن توكل على مخلوق مثله تركته وإياه ولم أبالي في أي عظيمة وقع ولا في أي مصيبة نزلت عليه.
المزمور المئة وستة
من طلب المعروف وبذله نال المعروف ومن طلب أن يحذر نفسه بالطاعة صفيته من الذنوب ولم أهتك له سترا ، ومن لزم الصمت عن الكلام وكتم سره وصان فرجه عوفي عن مظالم القيامة ، وكان الراجح المقبل الوافر الحظ في آخرته والعالية درجاته في جنتي.
المزمور المئة وسبعة
من اقترب وحسن عمله وكثر زهده وعظم شكره فهو من عبادي المطيعين الذين تقدسني أعضاؤهم وتقوم في سواد الليل خاشعة من هيبتي والناس نيام ، وذلك لأنهم رغبوا فيما لدي وأنا الذي أقبل التوبة وأعفوا عن السيئات وأغفر الزلات وسائر الأمور العظام لا يتعاظمني أمر ملكوت السماوات والأرض وقهرت الجبارين بعزتي.
المزمور المئة وثمانية
بقدرتي دعمت السماوات وبقوتي استقرت الأرض وبحكمتي صورت الطفل في بطن أمه ثم لما تم خلقه لطفت له بالخروج بعد طول الاحتباس بعدما نفخت فيه من روحي ثم أنزلت له لبنا خالصا من غير دم يخالطه فجعلته له غداءا وذلك بلطفي به وحسن تدبيري. يا ابن آدم ما أرفقني بك وأشفقني عليك لا بر سبق منك إلي ولا حاجة مني إليك المنة لي عليك والشكر العظيم والثناء الواضح لو كنتم في هذا تتفكرون وبآياتي العظيمة تعتبرون ولكنكم اشتغلتم بلذات الدنيا فأنتم في سكرات لا تفيقون ولا تعقلون.
المزمور المئة وتسعة
يا داوود ، قل للأفاك الكاذب الفتاك الذي يسأم عن عبادتي ولم يتذكر آلائي ولم يعتبر بأمثالي وأحكامي التي أنزلتها على رسلي ، وعزتي وجلالي إني عليم غير معلم وإني خبير غير مخبر فقل لمن كان في تمرده وعصيانه ألم تعلم أن بطشي شديد فبئس الورد يرد وبئس المنقلب ينقلب.
المزمور المئة وعشرة
يا داوود ، استقلت السحاب باسمي وارتفعت باذني وعلقتها تعليقا ، تبارك اللطيف بالخلق الذي هو ألطف بهم من آبائهم وأمهاتهم الذي يعلم ما يختلج في الصدور من خطرات القلوب وما تنطق به الألسنة تعالى الله وجل وارتفع عن الأوهام ان تحيط به علما والأبصار أن تحده خلق كل شيء فقدره تقديرا بعلم الأشياء قبل كونها وإلى ما يكون آخر مصيرها.
المزمور المئة وإحدى عشر
أنا ثقة الضعفاء وملجأ الفقراء وأنا الرب الذي تقدست وتعظمت ، أنا الرب الملك القاهر لا أسأل عما أفعل وهم يسألون ، أنا الرب الذي تكرمت واحتجبت أن ينالني أحد العباد ، يصفوني بألسنتهم من غير رؤية بأعينهم ، يصفوني بأفعالي وينعتوني بأفضال مالهم رب غيري يعلم منقلبهم ومثواهم في اليل والنهار في كل وقت وزمان وأنا العلي العظيم.
المزمور المئة والثاني عشر
من صغر على نفسه أمور الدنيا اجتمعت له أمور الآخرة وذلك أني إذا أردت بالعبد خيرا أعنته على درك ما يؤمله وذلك يكون له في سابق الأمر ، وكل عبد إنما يسعى في الدنيا ليستوفي أثره ويبلغ غاية أمره ويأتي على آخر رزقه فإذا جاء أجله لم يستأخر ساعة من نهار وإلى الله يرجع الأمر كله.
المزمور المئة والثالث عشر
ما كل من دعا أعقب الحرمان ولا كل من عمل عملا يقبل منه عمله ، من حذر العواقب أمن سطواتها ومن سبق له في علمي أسباب الخير وقي شر ما يحذر من آفات الدنيا والآخرة وكفاه الله إنه كان توابا حليما. من كان همه وطلبته فعل الخير وإدخال السرور على الملهوف والضعيف ، جعلت له الخير دليلا يستدل به وجعلته من أهل خاصتي وأهل جنتي الذين هم آمنون يوما تشيب من هوله الولدان وتضع الحوامل ما في بطونها وتذهل المرضعة عن رضاع ولدها ، يأكلون ما يشتهون من نعيم الجنة ولذاتها قد قرت أعينهم فطوبى لهم وحسن مآب.
المزمور المئة والرابع عشر
الكبر يورث البغضاء ويغلظ صدور العالمين والتواضع والخشوع والخضوع والذلة مع اليقين يورث الجنة ويذهب بالضغائن من الصدور والصدقات تطول الأعمار والدعاء سلاح كل خائف وأمنه ، ومن استجار بي فقد استجار بركن وثيق مكين ، العلم مع الحلم زينة كل مؤمن وجماله ومن طلب الجنة بعمل الجيارين لم يصل إليها ، من ترك النميمة بين الناس فقد فاز والصدقة من المال الزاكي تربوا لصاحبها وتزيد ومن ربى جسمه من الحرام ومن المال الخبيث أحرقته النار ، والعاقل من عقل عن ربه ما أمر به فإن سمع حكمة طلبها وعمل بها وإن سمع محذور حذر ولم يقدر على ذلك إلا الفطن اللبيب.
المزمور المئة والخامس عشر
قد خزي وشقي من بطشت به وخسر وندم من فاتته رحمتي ، طوبى للعالمين الذين عظموني أن يشهدوني معاصيهم وطوبى لأعمالهم الزاكية النامية المنيرة المرفوعة عندي في عليين ، هم الذين لم يتعبوا حفظتهم ولم يسخطوا ربهم آثروا آخرتهم على دنياهم وعرفوا ما طلبوا من نعيم الآخرة فهان عليهم ما تركوا من شهوات الدنيا ولذاتها التي لا تدوم ، أعمالهم زاكية وقلوبهم راضية بما قسمت لهم إن نزلت بهم فاقة أو مصيبة كان مفزعهم وملجؤهم إلي ، يرفعون حوائجهم إلي ويتضرعون لا يشكوني لخلق فهم الشاكرون لربهم المتضرعون الحافظون فروجهم والغاضون لأبصارهم والموفون بعهدهم ، أولئك أحبابي من خلقي إن سألوني أعطيتهم وإن دعوني أجبتهم ، أحرسهم بعيني وأستحفظهم ملائكتي وأنا الحفيظ الذي لا أنسى ، طوبى لهم وحسن مآب.
المزمور المئة والسادس عشر
بعظمتي تمت منافع الأرض والسماء وبلغت الأمور معاليها فما كان من حسن فهو مني وما كان من سيئة فبقضائي ، وأنا الحاكم الذي لا أجور في حكمي وأنا الملك العظيم الذي لا يلحقني التكلف ولا العجز فيما أريد ، وأنا الحكم العدل الذي حكمي ماض وأموري نافذة لا راد لقضائي ولا دافع لأمري ، أصيب برحمتي من أشاء من عبادي تمت كلمتي وصدق وعدي وتعالى ذكري وأنا الأول قبل كل أول والآخر بعد كل آخر ، أنا القديم الذي لا تفنيه الدهور والأزمان ولا يحيط به مكان ولا يشغلني شأن عن شأن ، بيدي مقاليد الأشياء وهي لا تتم إلا بأمري ولا تنفذ إلا بمشيئتي ، عالم بكون الأشياء قبل تكوينها تفردت بالعزة وملكت بالقدرة وقهرت العباد بالموت ، سببت الأسباب للمسببين وكنفت في كنفي الخائفين من خطرات الشياطين وسطوات السلاطين فاستراحت قلوبهم مما خافوه وعملوا بطاعتي يرجون النعيم في دار الخلود وأنا الغني الرحيم.
المزمور المئة والسابع عشر
احذروا سطوتي وخافوا انتقامي أنا أبتلي عبيدي بالأمراض ليتفكروا في عواقب الأمور ويستيقظوا من غفلتهم ويتوبوا ويحسنوا أعمالهم القبيحة ، وأغسل بالمرض عنهم درن المعاصي ووسخ الذنوب وإذا دعاني عبدي في مرضه أجبت دعاءه وكان أقرب إلي من الجليس إلى جليسه ، ولو علم ابن آدم ماله في مرضه من المصالح لتمنى أن يكون مريضا أبدا وذلك أني أحط عنه ذنوبه التي اقترفها خطئا كما ينتشر عن الشجرة ورقها. يا ابن آدم تدعوني في مرضك فإذا كشفت مابك وقويت أعضاءك ألهتك الأماني ولم تتفكر فيما كنت فيه من الجهد والكرب كأنك لم تدعني لضر مسك ، أمنت أن أبتليك بعلة بعدها فتدعوني فلا أجيبك وتسألني الشفاء من ضرك فلا أشفيك كلا وعزتي إنكم لا تستغنون عني وأنا غني عنكم. ويحك يا ابن آدم ما أقسى قلبك وأقل حياءك مني ومخلوق مثلك تسيء إليه مرة واحدة فتستحي بعد ذلك إن تلقاه فإذا رأيته في مكان تواريت منه حياءا وأنت تعصيني في كل وقت كأن أعمالك القبيحة تخفى علي ، كم تقول لا أعود ثم تعود كم تعاهدني وتخلف ثم تحلف باسمي وتكذب. ابن آدم اقلع عما أنت عليه وارجع إلي حتى أكون لك كما تحب ، وعزتي وجلالي إني أحب المطيعين منكم محبة الوالد ولده وأكثر من ذلك ، ابن آدم إن العبد لا يستغني عن مولاه وأنا السخي الكريم.
المزمور المئة والثامن عشر
من توكل علي ولزم الصمت كفي وكل من في السماوات والأرض تقول لخازن اللسان عن المآثم أفلحت وأفلح من عمل بعملك ، قل للمغتابين الكذابين قد فاتكم أجزل الأرباح لأنكم تركتم أوفر نصيب في الآخرة فاطلبوا السلامة في الدنيا لعلكم تخرجون منها خفاف الظهور من الآثام وهيهات ما ينجوا من ذلك إلا القليل. ابن آدم تزود لسفرك حتى تستعين به على طريقك فمن لا زاد له انقطع في طريقه ولم يدرك ما تأمله من منازل الأبرار ورتبة الصديقين ومن تزود زادا مبلغا وصل إلى منازل الذين آمنوا وعملوا صالحا فكانت لهم الجنة نزلا بما قدموا وأسلفوا في أيام خلت من أعمالهم الفانية ففازوا بذلك وربحوا يوم يخسر المغبونون.
المزمور المئة والتاسع عشر
من ركن إلى الذين ظلموا ثم عاونهم على ظلمهم ولم يتكلم بالحق خسر ثم باء بغضبي وعلقت عليه أوزاره وافرة وله عذاب عظيم ، ومن تلكم بالحق وأمر به ونهى عن المنكر كفيته ما همه وصنته عن أعين الحاسدين والظالمين إذا كان قوله خالصا ولم يرد به رياءا وفخرا. يا ابن آدم تفكر وافهم ما أقول لك ، لو أن رجلا انقطع إلى ملك من ملوك الأرض ليخدمه فلما رآه ناصحا في خدمته مشفقا عليه أعزه وأكرمه ورفع منزلته لهابه كل من رآه وعظمه فكيف بك يا ابن آدم إذا انقطعت إلي وخدمت ونصحت وعزتي وجلالي إن عبدي الطائع لو أقسم علي أن أزيل له الجبال من أماكنها لفعلت ، ابن آدم من كرامتك علي أني خلقت أباك آدم بيدي وأسجدت له ملائكتي وأبحت له دار النعيم وزوجته بحواء أمتي وتوجته بالتاج وكللته بالإكليل فلما عصاني طردته من جواري وأخرجته إلى دار الفناء والأحزان وذلك بذنب واحد وأنت في كل يوم وليلة لك ذنوب كثيرة ، ابن آدم امهد لنفسك في أيام حياتك تنال الراحة والفوز الأكبر.
المزمور المئة والعشرون
قل إلهي لا تضيعني ولا تخذلني ولا تخيبني واجعل لي لسان صدق يكثر حمدك وشكرك ويرغب إليك وفيما عندك ، وإن تستعملني بطاعتك وتبغض إلي معاصيك إذا استعملتني في طاعتك علمت أن لي عندك درجة في منزلة الصديقين ، وإن استعملتني فيما تكره علمت أني بعيد من خيرك مطرود من بابك ونلت الخسارة في الآخرة وكنت في منزلة النادمين الذين ندموا على ما قدموا ، فأنت الموفق للخير والدال عليه خلقت الخلق واستعملت كل عبد لما خلقته عدلا منك فلا اله غيرك ولا معبود في السماوات والأرض سواك أنت العالم بمكنون الضمائر ولحظات الأعين.
المزمور المئة والواحد وعشرون
من استكفى ربه كفاه ومن توكل عليه بصدق اليقين اصطفاه وقل اللهم حذرني المكر وجنبني الكبر وانشر علي العافية والبسني التقوى من أرجح الأزواد وأكمل الأعمال ، اللهم لا تسلط علي من يذلني ولا من يمكر بي ويسعى إلى سلطان بي وارزقني الورع الخالص الذي يدني من رحمتك ويباعد من سخطك إنك أحكم الحاكمين ، اللهم من استضاء بنورك نجا من ظلمات الخطايا ومن استزله الشيطان فأطاعه عمى عن رشده فلم يزل متحيرا مرتبكا في بحار الخطايا ومن سبق له منك التوفيق فهو السعيد في دنياه وآخرته ، ومن أشقيته فهو الشقي أنت الذي لا يصل أحد إلى جنتك إلا برحمتك.
المزمور المئة والثاني وعشرون
أنا الرزاق الفتاح الذي أرزق من أشاء بغير حساب وأنا الجبار الذي لا يغلب وأنا الذي أحيي وأميت جل ذكري وعلا شأني وعظم أمري تعاليت وتقدست عما يقول الظالمون والكاذبون والأفاكون علوا كبيرا.
المزمور المئة والثالث والعشرون
ما من شجرة ولا مدرة ولا رطب ولا يابس إلا خلقته ودبرته خلقت خلقي وأعرف إختلاف لغاتهم وكل يسألني رزقه فأرزقه وأجود عليه بفضلي ورحمتي ، استعذ بي من شر يوم الأزفة تظهر فيه المخبئات من السرائر ، استعذ بي من شر يوم يعض فيه الظالم على يديه ويسأل الرجعة إلى دار الدنيا ليعمل صالحا ولا سبيل له إلى ذلك وأنا بما تعملون خبير.
المزمور المئة والرابع والعشرون
من عمل مثقال ذرة من الخير وجد ذلك عندي ومن عمل عملا من الشر فاستغفرني وجد مغفرتي منه قريبة. يا داوود ، قل لبني اسرائيل لا يملوا من تسبيحي ولا من ذكري فإن من لم يذكرني واشتغل قلبه بذكر غيري لم يكن له في الأرض وليا ولا نصيرا.
المزمور المئة والخامس والعشرون
من تورع استحا ومن صان لسانه عما لا يعنيه استكمل دينه ووجبت له نعمتي ، ومن تجنب المعاصي أمن سخطي أنا الرب الذي ملكت الخلق بقوتي وعزتي لا اله إلا أنا وأنا عليم بذات الصدور. يا داوود ، قل لبني اسرائيل إذا دخلوا بيتي فليدخلوا بقلوب صادقة ونيات خالصة وأعضاء خاشعة يكونوا عندي من المقربين ، وأكثروا من ذكري وقللوا من ذكر الدنيا فنما جعلت بيوتي ليذكر فيها اسمي ، طوبى لمن تلى كتابي ولم يطرحه وراء ظهره ، طوبى لمن وعظ نفسه فزجرها وإذا إتعظ عن شهوة النفس ورجع كان عندي من المقربين الفائزين.
المزمور المئة والسادس والعشرون
ما آمن بي ولا عرفني من استهزء بأحكامي واتخذها هزؤا ، قل للذين استحلوا محارمي وبخسوا الناس حقوقهم ألا يعلمون أنهم يردون على يوم القيامة فأجازيهم بما عملوا ، يا بني اسرائيل أما تعلمون أني أجازي كل من عمل خيرا كان أو شرا بعمله ، فأما من كبر سنه ورق عظمه في مرضاتي وهو يعبدني لا يشك بي شيئا فإني أستحي أن أعذبه وأجعل شيبته نورا يستضيء به يوم القيامة وأخفف عنه الحساب وأهب له ما فرط فيه من فرائضي واستوهبه من مظالم العباد وذلك جزاء المحسنين.
المزمور المئة والسابع والعشرون
من ذكرني في سره تمت علانيته ، يا داوود ، صفني لخلقي بالجود والكرم ، يا داوود ، من عوفي من آثام الدنيا سعد في الآخرة وظفر بالعز الدائم ، يا داوود ، اسبق إلى الخيرات فإنها تورثك الجنة ، يا داوود ، إذا رأيت من خولته نعمة من نعمي وأوسعت عليه في دنياه من جلال وبسطت يده فيها فهو يطعم الجائع ويكسوا العريان ويغيث الملهوف ، فاعلم أني اختصصته بالخير وجعلت له نصيبا وافرا في الآخرة ، يا داوود ، إياك والحسد فإنك إن حسدت أسخطت مولاك واشغلت بالك ولم تزدد بذلك إلا هما في دنياك وذهابا لحظك في الآخرة ، لكن سل الله الكريم أن ينعم عليك كما أنعم على غيرك.
المزمور المئة والثامن والعشرون
وجبت رحمتي للمنقطعين إلي طوبى لهم وحسن مآب ، يا ابن آدم ألا ترون أن الله عز وجل بقدرته وتدبيره سخر لكم الشمس والقمر والليل والنهار والنجوم وكلها تسبحني وتقدسني خائفة مني سامعة مطيعة لي ، ابن آدم كن رحيم القلب سخي الكف لوجهي حتى أرحمك في يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ، ابن آدم اسمع حكمي وكتابي إذا تلي على الناس أو عليك واخشع منه واتبع ما أنزل فيه حتى أحفظك من كل سوء يطرقك واجمع شملك وأدر عليك رزقك ، فإن لم تفعل وعصيت أمري وأطعت هواك شتت شملك وقترت عليك رزقك وأسلمتك إلى عدوك فينتقم منك ، ومن لم يكن له في الآخرة من نصيب فقد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.
المزمور المئة والتاسع والعشرون
من أمسك لسانه عن غيبة الناس أكثرت له الحسنات ورفعت درجته في الجنات وأكثرت أزواجه وخدامه وذلك جزاؤه عندي موفرا ، ومن أطلق لسانه بهتك عورات الناس وكشف أستارهم فضحته في الدنيا والآخرة على رؤوس الأشهاد ، ابن آدم تظهر سرائر أخيك المؤمن لتحط بذلك منزلته عند الناس وسرك عندي مهتوك ومنزلتك محطوطة ولعل أخاك المؤمن أوفقه لعمل صالح وأقبضه على ذلك فتكون خاتمة عمله بالخير فيكون عندي من المقربين ، ابن آدم أمسك عليك لسانك تنجوا والله لا يحب المسرفين.
المزمور المئة والثلاثون
أمن عقوبتي وناري وسخطي واستوجب جنتي من عمل صالحا لوجهي ، ابن آدم تعلمون ولا تفعلون والحفظة تحصي أعمالكم ولا تغفل ، فطوبى لعبد رغب عن دنياه ونهى نفسه عن هواها ، ابن آدم قدم بعض ما كسبت لآخرتك يكون لك ذخيرة تجده أمامك ولا تخلف مالك كله ورائك فيكون عليك وزره وينال وارثك خيره فتكون بذلك أشد هما وغما يوم تقدم هلى مولاك يوم الحسرة والندامة والله لا يحب المعتدين.
المزمور المئة والواحد والثلاثون
قد أفلح من قنت وسبح ولم يهم بالمعاصي ومن اتقى الله تعالى ومثله بين يديه صفى قلبه من الغش وسكنته الحكمة وانطقت بها لسانه وجعلت له مهابة في قلوب الخلق ، إن المعاصي تظلم البصر وتسود القلب وأما المتكبرون في الأرض الذين يسعون فيها بالفساد ويظلمون الناس فسوف أصليهم نارا بما كسبت أيديهم ولله العظمة والكبرياء والسلطان.
المزمور المئة والثاني والثلاثون
من ألهمت نفسه الأماني لجمع الدنيا والتكثر في الأموال فقد خسر نصيبه من الآخرة وخالف رشده ، ابن آدم أما تعلم أن النفس أمارة بالسوء فخالفها ولا تطعها فتكن من الهالكين ، اغتنم ساعات أيامك ودهرك فخير أيامك يوما تقدم فيه عملا صالحا وشر أيامك يوما تكسب فيه خطيئة ، فامح السيئة بالحسنة وأنا بما تعملون خبير.
المزمور المئة والثالث والثلاثون
رأس الحكمة التمسك بالدين والتوكل لأن التوكل يزيل الشك عن القلوب ويصفي الأذهان ، فعند ذلك يكثر العبد التفكر في آياتي ونعمي عليه فأرفع درجته في عليين وأجعله من عبادي المختارين.
المزمور المئة والرابع والثلاثون
قد أفلح من انقطع إلي بجوارحه وسمعه ودعاني راغبا في الليل والنهار وهمته طاعتي يخاف عقوبتي ويحذر سطوتي من أجل أني أعلم بما تنطق الألسن وما تكنه القلوب ، أما تعلم يا داوود أني أنا الرب الذي لا أغفل عمن دعاني ولا أنسى من ذكرني ويكون أكثر ذكره الاستغفار فأي عبد أكثر من ذلك منكم أخرجت الفقر من منزله وملأته خيرا وله عندي في الآخرة ما تقر به عينه وأنا الغني الكريم.
المزمور المئة والخامس والثلاثون
قل اللهم لا تخزني ولا تهلكني ومن المعاصي نجني وباعدني وفي أعين الناس عظمني وقربني من طاعتك وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك ، اللهم لا تحملني من الأمور ما لا أطيقه واغفر لي وارحمني إنك أنت اله الخلق أجمعين ، اللهم أجزل في الآخرة لي العطية وإن كنت لا أستوجب ذلك غير أنك جواد كريم.
المزمور المئة والسادس والثلاثون
اللهم إني أسألك الهام القصد في البأساء والضراء وأن ترزقني نية زاكية وعملا متقبلا حتى تبلغني به فردوس رضاك كما رزقت أوليائك وأهل طاعتك ، اللهم اكفني ما أهمني واجعل بيني وبين عدوي حجابا وسترا من حجبك المنيعة الحصينة ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأهلك ، اللهم توفني على أرشد الأمور واختم عملي بأحب الأشياء إليك حتى أكون في الآخرة آمنا من عذابك مطمئنا من عقابك ، اللهم توفني في أحب البقاع إليك وأفسح لي بالرحمة منك في ظلمة قبري ونوره علي بنورك الذي استنار به أهل السماوات والأرض إنك الفعال لما تريد.
المزمور المئة والسابع والثلاثون
يا داوود ، أعلم أني أنا الله الرب الذي لا يوصف بالكبرياء غيري وأنا الأول فلا ضد لي ولا شبه ولا صاحبة ولا ولد وأنا الملك المقتدر.
المزمور المئة والثامن والثلاثون
بقوتي تم للآدميين اضطرابهم وتصرفهم وبنعمتي خصب عيشهم ، يا داوود ، إن الكرام الكاتبين وسائر الملائكة والخلق أجمعين يسبحوني ويذكروني وأنا أهل لذلك ، يا داوود ، قدسني تقديسا وعظمني تعظيما أكفيك وأرزقك من حيث لا تحتسب ولا تشعر ، وعزتي وقدرتي على خلقي لا منعت فضلي ولا قطعت رزقي عن من خلقته طائعا كان أو عاصيا ، يا داوود ، رحمتي سبقت غضبي ولولا ذلك ما تركت دابة تمشي على ظهر الأرض ولكن لكم أجلا أنتم بالغوه وعملا أنتم عنه مسئولون يوم تنشر الصحف والدواوين وينصب الميزان لفصل القضاء بين العباد وأنا القوي العزيز ، يا داوود ، إعلم أني أنا الله الرب الذي لا يوصف غيري وأنا الأول فلا صد لي ولا شبه ولا صاحبة ولا ولدا وأنا الملك المقتدر.
المزمور التاسع والثلاثون
قل اللهم إن رفعتني فمن يضعني اللهم لا تؤيسني من فضلك ولا تحرمني نعمتك ولا تحل علي سخطك وأرزقني العمل بطاعتك واشغل جوارحي بعبادتك واجعلني اسمع لأمرك وأطيع مواعظك فإنك إن فعلت بي ذلك أنقذتني من الذنوب ، اللهم لا تتركني أدبر نفسي فأهلك ودبرني أنت كما دبرتني في الأحشاء وأنا لا أسمع ولا أبصر ولا أعقل ، اللهم لا تنكس بناصيتي بين الأمم وهب لي سالف الذنوب إنك علام الغيوب.
المزمور المئة وأربعون
عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن أيقن بالحساب كيف يجمع وعجبت لمن أيقن بالقضاء كيف يضحك وعجبت لمن يحزن على نقصان ماله ولا يحزن على نقصان عمره ، وعجبت لمن أيقن بالآخرة ونعيمها وبقائها كيف يستريح ولم يطلبها وعجبت لمن أيقن بالدنيا وزوالها كيف يطمئن إليها ، وعجبت لمن أيقن بالنار وعذابها كيف ينام ولم يهرب منها ولمن هو عالم باللسان وجاهل بالقلب ، ولمن شغلته عيوب الناس عن عيبه ولمن يعلم أن الله مطلع عليه كيف يعصيه وللمتطهر بالماء غير طاهر القلب ولمن يعلم أنه يموت وحده ويدخل القبر وحده ويحاسب وحده كيف يستأنس بالناس ولم يستأنس بربه ، لا اله الا الله حقا حقا محمد عبدي ورسولي صلى الله عليه وسلم.
المزمور المئة والواحد والاربعون
شهدت لنفسي أني أنا الله لا اله إلا أنا وحدي لا شريك لي محمد عبدي ورسولي صلى الله عليه وسلم ، فمن لم يرضى بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي ولم يقنع بعطائي فليعبد ربا سواي ، ومن أصبح حزينا على الدنيا فكأنما أصبح ساخطا علي ومن شكا بمصيبة نزلت به فقد شكاني ، ومن دخل على غني فتواضع له من أجل غناه ذهب ثلثا دينه ومن أتى خطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي ومن لم يكن في زيادة في دينه فهو في نقصان ، ومن كان في نقصان فالموت خير له من حياته ومن علم وعمل ورثه الله علم ما لم يعلم ومن كان أمله طويلا لم يخلص عمله.
المزمور المئة والثاني والأربعون
يا ابن آدم من قنع استغنى ومن ترك الحسد استراح ومن اجتنب الحرام خلص دينه ومن ترك الغيبة ظهرت محبته ، ومن اعتزل الناس سلم منهم ومن قل كلامه كمل عقله ومن رضي بالقليل فقد وثق بالله. يا ابن آدم أنت بما تعلم لا تعمل فكيف تطلب ما لم تعمل به ، يا ابن آدم قد أفنيت عمرك في طلب الدنيا فمتى تطلب الجنة ، يا ابن آدم اعمل كأنك تموت غدا ولا تجمع كأنك مخدا أبدا ، يا دنيا أكرمي الحريص عليك واحرمي الزاهد فيك وكوني حلوة في أعين الناظرين والراغبين فيك.
المزمور المئة والثالث والأربعون
يا ابن آدم من أصبح حزينا على الدنيا لم يزدد من الله إلا بعدا وفي الدنيا إلا كدا وفي الآخرة إلا جهدا ، ومن طلب الدنيا ألزم الله قلبه أربع خصال ، هما لا ينقطع عنه أبدا وشغلا لا يفرغ منه أبدا وفقرا لا ينال غنى أبدا وأملا لا يبلغه أبدا ، يا ابن آدم كل يوم ينقص من عمرك وأنت لا تدري ما نقص منك وتوفى كل يوم رزقك وأنت لا تحمدني ، فلا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع.
يا ابن آدم ما يوم جديد إلا ويأتيك من عندي رزق جديد وما من ليلة جديدة إلا وتأتيني الملائكة من عندك بعمل قبيح ، تأكل رزقي وتعصيني وتدعوني وأستجيب لك ، خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد فنعم المولى أنا لك وبئس العبد أنت لي ، تسألني فأعطيك وأستر عليك سوءة بعد سوءة وفضيحة بعد فضيحة وأنا أستحي منك وأنت لا تستحي مني وتخاف من الناس و تأمن غضبي.
المزمور المئة والرابع والأربعون
يا ابن آدم لا تكن ممن يسوف بالتوبة ويطول الأمل ويرجو الآخرة بغير عمل ، تقول قول العابدين وتعمل عمل المنافقين إن أعطيت لم تقنع وإن منعت لم تصبر ، تأمر بالخير ولا تفعله وتنهى عن الشر ولم تنته عنه تحب الصالحين ولست منهم وتبغض المنافقين وأنت منهم ، تقول ما لا تفعل وتفعل ما لم تؤمر به وتستوفي ولا توفي. يا ابن آدم ما من يوم جديد إلا والأرض تخاطبك وتقول لك تمشي على ظهري ومصيرك إلى بطني وتضحك على ظهري ثم تبكي في بطني وتفرح على ظهري ثم تحزن في بطني وتأكل الشهوات على ظهري ثم يأكلك الدود في بطني ، أنا بيت الوحدة ، أنا بيت الظلمة ، أنا بيت الوحشة ، أنا بيت العطش ، أنا بيت الجوع ، أنا بيت الفضيحة ، أنا بيت النيران ، أنا بيت المسائل ، أنا بيت الهوان ، أنا بيت الحيات ، أنا بيت العقارب ، فاعمرني ولا تخربني.
المزمور المئة والخامس والأربعون
يا بني آدم ، ما خلقتكم لأستكثر بكم من قلة ولا لأستأنس بكم من وحشة ولا لأستعين بكم على أمر عجزت عنه ولا لجلب منفعة إلي ولا لدفع مضرة عني ، بل خلقتكم لتعبدوني طويلا وتشكروني جزيلا وتسبحوني بكرة وأصيلا. يا بني آدم ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وحيكم وميتكم وصغيركم وكبيركم عبدوني واجتمعوا على طاعتي ما زاد ذلك في ملكي مثقال ذرة ، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وصغيركم وكبيركم وإنسكم وجنكم وحركم وعبدكم إجتمعوا على معصيتي ما نقص في ملكي مثقال ذرة ، ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ومن كفر فإن الله غني عن العالمين. يا ابن آدم ، كما تدين تدان وكما تفعل تجازى.
المزمور المئة والسادس والأربعون
يا ابن آدم تباعد عن الدرهم والدينار فإني ما خلقت لكم الدنانير والدراهم إلا لتأكلوا منها رزقي وتلبسوا منها ثيابي وتقدسوا بها أعمالكم ، فأخذتم كتابي فجعلتموه تحت أقدامكم وأخذتم الدنيا فجعلتموها فوق رؤوسكم ورفعتم وزخرفتم بيوتكم وخربتم بيوتي وأنستم بيوتكم وأوحشتم بيوتي ، فلا أنتم أخيار ولا أنتم أبرار ولا أنتم أحرار بل أنتم عبيد الدنيا وجامعوا أموالها ، مثلكم كمثل القبور المجصصة يرى ظاهرها مليحا وباطنها قبيحا ، تصلحون أنفسكم للناس وتحيونهم بألسنتكم الحلوة وأفعالكم الجميلة وتباعدون بقلوبكم القاسية وأفعالكم الخبيثة عني. يا ابن آدم ، لا تكن كالمصباح فوق البيت مع ظلمة داخله فكما لا يغني المزمار على قبر الميت شيئا فكذلك لا يغني كلامكم الخير مع أفعالكم الرديئة. يا ابن آدم ، أخلص لي عملك ولا تظلمني فإني أعطيتك أكثر مما يطلب السائلون.
المزمور المئة والسابع والأربعون
يا بني آدم ، ما خلقتكم عبثا ولا خلقتكم سدى ولا أنا بغافل عما تعملون ، إنكم لا تنالون ما عندي إلا بالصبر على ما تكرهون وذلك طلبا لرضاي والصبر على ترك الذنب أيسر لكم من عذاب الآخرة فإن عذاب الدنيا يزول وينقطع وعذاب الآخرة لا يزول ولا ينقطع. يا ابن آدم ، كلكم ضال إلا من هديته وكلكم مريض إلا من شفيته وكلكم هالك إلا من نجيته وكلكم فقير إلا من أغنيته وكلكم مسيء إلا من عصمته ، فتوبوا إلي أرحمكم ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه السرائر وهو بكل شيء عليم.
المزمور الثامن والأربعون
يا بني آدم ، لا تلعنوا المخلوقين فترجع اللعنة عليكم ، يا بني آدم ، إستقامت السماوات السبع في الهوى بلا عمد باسم واحد من أسمائي ولا تستقيم قلوبكم بألف موعظة من كتابي ، يا أيها الناس ، كما لا يغني المال عن الموت وكما لا يلين الحجر في الماء كذلك لا تغني الموعظة قلوبكم القاسية. يا بني آدم ، كم من أحدكم لا يجتنب الحرام ولا إكتساب الآثام ولا يخاف النيران ولا يتقي غضب الرحمان ، يا بني آدم ، كيف تشهدون أوزانكم عند الله ثم تعصونه وكيف تزعمون أن الموت حق وأنتم له كارهون ، تقولون بألسنتكم ما ليس في قلوبكم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم.
المزمور المئة والتاسع والأربعون
يا أهل الكتاب ، قد جاءكم برهان من ربكم وشفاء لما في الصدور ، فلم تحسنوا إلا لمن أحسن إليكم ولم تكلموا إلا من كلمكم ولم تطعموا إلا من أطعمكم ولم تكرموا إلا من أكرمكم ، فليس لأحد منكم على أحد فضل إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله هم الذين يحسنون إلى من أساء إليهم ويصلون من قطعهم ويكلمون من هجرهم ويطعمون من حرمهم ويثقون بمن خانهم ويكرمون من أهانهم ويعفون عن من ظلمهم وإني عليم خبير.
المزمور المئة والخمسون
يا أيها الناس ، إن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له وبها يفرح من لا يقين له وعليها يحرص من لا توكل له ويطلب شهوتها من لا معرفة له ، فمن أراد نعمة زائلة وحياة منقطعة وشهوات فانية فليطلب الدنيا ومن طلبها فقد ظلم نفسه وعصى ربه ونسي آخرته وغرته دنياه.
يا بني آدم ، عليكم بالصبر وأحسنوا العمل وسلوا الله العافية وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون. يا بني آدم ، زارعوني وتاجروني وعاملوني وأسلفوني أربحكم عندي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فلا تنفذ خزائني ولا تنقص وأنا الوهاب الكريم.
المزمور المئة والحادي والخمسون
يا بني اسرائيل ، أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوفي بعهدكم وإياي فارهبون ، كما لا تهتدون السبيل إلا بالدليل كذلك لا تهتدون طريق الجنة إلا بالعمل وكما لا تجمعون المال إلا بالأسباب كذلك لا تدخلون الجنة إلا بالصبر على عبادتي ، فتقربوا إلي بالنوافل واطلبوا رضائي برضاء المساكين أرضى عنكم ، وارغبوا إلي رحمتي بمجالسة العلماء فإن رحمتي لا تفارقهم طرفة عين.
يا داوود ، استمع ما أقول لك والحق أقول إنه من تكبر على مسكين حشرته يوم القيامة على صورة الدب ومن تواضع لعالم أو لوالديه رفعته في الدنيا سرا وفي الآخرة جهرا ، ومن تعرض لهتك ستر مسلم هتكت سره سبعين مرة ومن أهان مؤمنا لفقره فقد بارزني بالمحاربة ومن أحب مؤمنا لي وصافحه لي صافحته الملائكة في الدنيا سرا وفي الآخرة جهرا.
المزمور المئة والثاني والخمسون
يا بني آدم ، أطيعوني بقدر حوائجكم إلي وأعصوني بقدر صبركم على النار واكتسبوا في الدنيا بقدر مسكنكم في القبور ولا تنظروا إلى آجالكم المستأخرة وأرزاقكم الحاضرة وذنوبكم المنتشرة فكل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون.
المزمور المئة والثالث والخمسون
يا ابن آدم ، كم من سراج أطفأه الريح وكم من عابد أفسده العجب وكم من غني قد أفسده الغنى وكم من فقير قد أفسده الفقر وكم من صحيح قد أفسدته العافية وكم من عالم قد أفسده العلم ، فلولا مشايخ ركع وشباب خشع وأطفال رضع وبهائم رتع لجعلت السماء فوقكم حديدا والأرض صفصفا والتراب رمادا ولا أنزلت عليكم من السماء قطرة ولا أنبتت لكم في الأرض حبة ولصببت عليكم العذاب صبا صبا.
المزمور المئة والرابع والخمسون
يا ابن آدم ، دينك وعملك ولحمك ودمك ، فإن فسد دينك فسد عملك ولحمك ودمك ، لا تكن كالمصباح الذي يحرق نفسه ويضيء للناس وأخرج حب الدنيا من قلبك فإني لا أجمع حبي وحب الدنيا في قلب واحد أبدا ، لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن أبدا كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد ، وترفق بنفسك في جمع الرزق فإن الرزق مقسوم والحريص محروم والبخيل مذموم والنعمة لا تدوم والأجل معلوم ، وخير الحكمة خشية الله وخير الغنى القناعة وخير الزاد التقوى وخير ما ألقى في القلب اليقين وخير ما أعطيتم العافية وشر سلاحكم الكذب وشر النصيحة النميمة وما ربك بظلام للعبيد.
المزمور المئة والسادس والخمسون
يا أهل الكتاب ، لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ، كم تنهون عما لستم عنه تنتهون ومن تأمرون بما لا تفعلون وكم تجمعون ما لا تأكلون وكم بالتوبة عاما بعد عام تسوفون ، أعندكم من الموت أمان أم أتتكم براءة من النيران أم تحققتم الفوز بالجنات أم بينكم رحيم وبين الرحمان ، أبطرتكم النعمة وغركم الإحسان فلا تغرنكم الصحة والسلامة وأيامكم معلومة وآجالكم معدودة وسرائركم مكشوفة وأستاركم مهتوكة ، فاتقوني يا أولي الألباب لعلكم تفلحون وقدموا ما في أيديكم لما بين يديكم. يا ابن آدم ، إنك تقدم على عملك وأنت في هدم عمرك من يوم خرجت من بطن أمك حتى تدخل قبرك ، يا ابن آدم ، مثلك في الدنيا كمثل الذباب في العسل لا تكن كالحطب الذي يحرق نفسه بالنار لغيره.
المزمور المئة والسابع والخمسون
يا ابن آدم ، اعمل ما أمرتك به وأنته عما نهيتك عنه أجعلك حيا لا تموت وأنا حي لا أموت أبدا وإذا أردت شيئا قلت له كن فيكون ، يا ابن آدم ، إذا كان قولك مليحا وعملك قبيحا فأنت من المنافقين وإذا كان ظاهرك مليحا وباطنك قبيحا فأنت من الهالكين ، إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون. يا ابن آدم ، لا يدخل جنتي إلا من تواضع لعظمتي وقطع نهاره بذكري وكف نفسه عن الشهوات من أجلي ، يأوي الفقير ويرحم المصاب ويكرم اليتيم ويكون له كالأب الرحيم وللأرامل كالزوج الشقيق ، فمن كان هذا صفته كان من أوليائي وأصفيائي إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته.
المزمور المئة والثامن والخمسون
يا ابن آدم ، كم تشكوني إلى خلقي وليس مثلي من يشكا وإلى متى تسبني ولم أستوجب ذلك منك وإلى متى تكفر بي ولست بظلام للعبيد وإلى متى تجحد نعمتي وليس لك معطي غيري وإلى متى تجفوني ولم أجفك وإلى متى تجحدني وليس لك رب غيري ، وإذا مرضت من يشفيك من دائي ، تقول فعل الله بدهرنا كذا وكذا فقد سببتني ، أنا الدهر وأنا الزمان وإذا أرسلت السماء عليك مدرارا قلت سقينا من هذا المطر من تحت النجم الفلاني فقد كفرت بي وآمنت بالنجوم ، أنا الذي أنزلت عليكم السماء برحمتي قدرا مقدرا مكيولا معدودا موزونا مقسوما وإذا لم يجد أحدكم قوت ثلاثة أيام قال أنا بشر ولست بحجر فقد جحدتم نعمتي ، ومن منع الزكاة من ماله فقد استخف بكتابي وإذا علم وقت الصلاة ولم يفزع لها فقد غفل عني.
المزمور المئة والتاسع والخمسون
يا ابن آدم ، تواضع أرفعك واشكرني أزيد لك واستغفرني أغفر لك وأدعني أستجب لك وتب إلي أتوب عليك واسألني أعطيك وتصدق لي أبارك لك في رزقك وصل رحمك أطيل في أجلك ، واطلب مني العافية بطول الصمت والسلامة في الوحدة والإخلاص في العمل والزهد والتوبة ، كيف تطمع في العبادة مع الشبع وكيف تطمع في العلم والغنى بغير القناعة وكيف تطمع في حب الله مع حب المال وكيف تطمع في جلاء القلب مع كثرة النوم وكيف تطمع في خوف الله مع خوف غيره.
يا ابن آدم ، بعافيتي قويت على طاعتي وبتوفيقي أديت فرائضي وبرزقي قويت على معصيتي وبنعمتي قمت وقعدت وذهبت ورجعت ، وفي كنفي أصبحت وأمسيت وفي فضلي عشت وفي نعمتي تقلبت وبعافيتي تحملت وأنت تنساني وتذكر غيري فلم لا تؤدي شكري.
المزمور المئة والستون
يا ابن آدم ، الموت يكشف أسرارك والقيامة تبلو أخبارك والعباد يهتكون أستارك إذا أذنبت ذنبا صغيرا فلا تنظر لصغره ولكن أنظر إلى من عصيت إياه وإذا رزقت رزقا قليلا فلا تنظر إلى قلته ولكن أنظر إلى من رزقك إياه ، ولا تحقرن الذنب الصغير فإنك لا تدري من أي ذنب غضب الله عليك منه واغلق أبواب السماء دون دعائك أمن الذنب الكبير أم من الذنب الصغير ، ولا تأمن مكري فإن مكري أخفا عليك من دبيب النمل على الصفا ليلة الظلماء.
يا ابن آدم ، هل عصيتموني وذكرتم غضبي فإذا انتهيتم هل أديتم فرائضي كما أمرتكم وهل ساويتم المساكين في أموالكم وهل أحسنتم إلى من أساء إليكم وهل غفرتم لمن ظلمكم وهل وصلتم من قطعكم وهل أصفيتم من خانكم وهل كلمتم من هجركم وهل أدبتم أولادكم وهل أرضيتم جيرانكم وهل سألتم العلماء عن أمر دينكم إني لا أنظر إلى صوركم ولا إلى محاسنكم ولكن أنظر إلى قلوبكم.
المزمور المئة والحادي والستون
يا ابن آدم ، أنظر إلى نفسك وإلى جميع خلقي فإن وجدت أحدا أعز علي منك فاصرف كرامتك إليه ، أكرم نفسك بالتوبة والعمل الصالح إن كانت نفسك عليك عزيزة. يا أيها الذين آمنوا أذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله قبل يوم القيامة ويوم الواقعة ويوم التغابن ويوم الحاقة ويوم لا تنطقون ولا يؤذن لكم فتعتذرون ، يوم الطامة ويوم الصاخة ويوما عبوسا قمطريرا ويوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ، يوم الدمدمة ويوم الزلزلة يوم القارعة ويوم حلول النكال وتعجيل النوال قبل الصيحة والزلزال الذي يشيب منه الأطفال ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون.
المزمور المئة والثاني والستون
يا أيها الذين آمنوا ، أذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا ، يا موسى بن عمران يا صاحب البيان ، اسمع كلامي إني أنا الله الملك الديان ليس بيني وبينك ترجمان ، بشر آكل الربى بغضب الرحمان والنار ، يا ابن آدم ، إذا وجدت قساوة في قلبك وسقما في بدنك وحرمانا في رزقك ونقصانا في عقلك ، فاعلم أنك قد تكلمت فيما لا يعنيك ، يا ابن آدم ، لا يستقيم دينك حتى يستقيم لسانك ولا يستقيم لسانك حتى يستقيم قلبك ولا يستقيم قلبك حتى تستحي من ربك ، يا ابن آدم ، إذا نظرت في عيوب الناس ونسيت عيوبك فقد أرضيت الشيطان وأغضبت الرحمان.
المزمور المئة والثالث والستون
يا بني آدم ، إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا واتقوا اليوم الذي تحشرون فيه إلى الله فوجا بعد فوج وتقفون بين يديه صفا صفا وتقرؤون صحفكم حرفا حرفا وتسألون هما عملتم سرا وجهرا يوم يساق المجرمون إلى جهنم وردا وردا ، أنا الله لا إله إلا أنا لا شبيه لي ولا سلطان لسلطاني من بات لي ليلة قائما كان له شأن من شأني ومن غض عينه عن محارمي آمنته من نيراني ، أنا الرب فاعرفوني وأنا المنعم فاشكروني وأنا الحافظ فاستحفظوني وأنا الناصر فاستنصروني وأنا الغافر فاستغفروني وأنا المقصود فاقصدوني وأنا المعطي فاسألوني وأنا المعبود فاعبدوني وأنا العالم بخفي السرائر ومكنون الضمائر فاحذروني وأنا بكل شيء عليم.
المزمور المئة والرابع والستون
شهد الله أنه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم ، إن الدين عند الله الإسلام ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ، بشر كل محسن بالجنة وكل مسيء بالنار ، من عرف الله وأطاعه نجا ومن عرف الشيطان وعصاه سلم ومن عرف الحق واتبعه أمن ومن عرف الباطل واتقاه فاز ومن عرف الدنيا فرفضها خلص منها ومن عرف الآخرة فطلبها وصل ، وإن الله يهدي من يشاء وإليه تقلبون.
المزمور المئة والخامس والستون
يا ابن آدم ، أكثر من الزاد فإن الطريق بعيد وأجود القيام لله فإن البحر عميق وخفف الحمل فإن الصراط رقيق وأخلص العمل فإن الناقد بصير ، تقرب إلي باستهانة الدنيا وتباعد من النار ببغض الفجار وحب الأبرار فإن الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين.
المزمور المئة والسادس والستون
يا بني آدم ، كيف تعصوني وأنتم تجزعون من حر الشمس ونار جهنم لها سبع طبقات في كل طبقة منها نيران يأكل بعضها بعضا ، في كل طبقة منها سبعون ألف واد من نار في كل واد سبعون ألف شعيب من نار ، في كل شعيب سبعون ألف بيت ، في كل بيت سبعون ألف بئر ، في كل بئر سبعون ألف تابوت ، في كل تابوت سبعون ألف شجرة من الزقوم ، تحت كل شجرة سبعون ألف قائد ، مع كل قائد سبعون ألف سلسلة من نار وسبعون ألف ثعبان من نار طول كل ثعبان سبعون ألف ذراع ، في جوف كل ثعبان بحر من السم الأسود وسبعون ألف عقرب من نار ، لكل عقرب سبعون ألف ذنب لكل ذنب سبعون ألف فقار في كل فقار سبعون ألف قلة من السم الأحمر ، والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور ، إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع.
يا ابن آدم ، ما خلقت هذه النيران إلا لكل كافر وبخيل ونمام ، وعاق لوالديه وكذاب وحسود ومغتاب وديوث وشرطي ومخنث وقاطع رحم وحلاف بالله كاذب ومرابي آكل للربا ولتاركين الصلاة على صحة الأبدان ومانعي الزكاة من أموالهم ومؤذي الجيران وشارب الخمر والزاني وآكل أموال اليتامى ظلما ولحامل القرآن إذا نسيه ولم يعمل به ولكل فاجر ، إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ، فارحموا أنفسكم يا عبادي فإن الأبدان ضعيفة والسفر بعيد والحمل ثقيل والصراط دقيق والوزان إسرافيل والقاضي رب العالمين.
المزمور المئة والسابع والستون
يا بني آدم ، كيف رغبتم في دنيا فانية ونعمة زائلة وعيشة منقطعة ، إن عندي للمطيعين الجنان أبوابها ثمانية في كل جنة سبعون ألف روضة في كل روضة سبعون ألف مدينة من اللؤلؤ والمرجان ، في كل مدينة سبعون ألف قصر من ياقوتة حمراء في كل قصر سبعون ألف دار من الزبرجد الأخضر ، في كل دار سبعون ألف بيت من الذهب الأحمر في كل بيت سبعون ألف مائدة من العنبر ، على كل مائدة سبعون ألف سرير من المرجان عل كل سرير سبعون ألف صحفة ، في كل صحفة سبعون ألف لون من الأطعمة ، حول كل سرير سبعون ألف فراش من الحرير والديباج والسندس والإستبرق ، حول كل سرير سبعون ألف نهر من ماء الحياة واللبن والخمر والعسل المصفى ، على شاطىء كل نهر سبعون ألف بيت في كل بيت سبعون ألف خيمة من الأرجوان ، على كل فراش حور العين بين يديها سبعون ألف وصيف كأنهم بيض مكنون ، على رأس كل قصر من تلك القصور سبعون ألف قبة من الكافور ، في كل قبة سبعون ألف هدية من الرحمان فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كامثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون ، سكانها لا يموتون فيها أبدا ولا يهرمون ولا يجزعون ولا يحزنون ولا يبكون ولا يصومون ولا يصلون ولا يمرضون ولا يهتمون ولا يبولون ولا يتغوطون وما هم منها بمخرجين ، فمن طلب رضائي ودار كرامتي وجواري ونعمتي فليتقرب إلي بالصدقة واستهانة الدنيا والعمل الصالح وحب المساكين والقناعة بالقليل.
المزمور المئة والثامن والستون
يا ابن آدم ، المال مالي والجنة جنتي وأنتم عبيدي ، يا عبدي إشتري جنتي بمالي ليس لك من هذا المال إلا ما أكلت فافنيت ولبست فابليت وتصدقت فاعطيت ، وما سوى ذلك فحسابه عليك ، إنما أنت على ثلاثة أقسام فواحد لك وواحد لي وواحد بيني وبينك ، فأما الذي لي فروحك وأما الذي لك فعملك وأما الذي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة.
يا ابن آدم ، تورع تعرفني وارجع إلي تراني واعبدني تصل إلي واطلبني تجدني ، يا ابن آدم ، إذا كان الأمراء يدخلون النار بالجور والعرب بالعصبية والعلماء بالحسد والتجار بالخيانة والصناع بالغش والعباد بالرياء والأغنياء بالكبر والفقراء بالكذب ، فأين من يطأ الجنة.
المزمور المئة والتاسع والستون
يا أيها الذين آمنوا ، إتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، إنما مثل العلم بلا عمل كمثل الرعد بلا مطر ومثل العمل بلا علم كالشجر بلا ثمر ، ومثل العلم بلا عبادة كمثل القوس بلا وتر ومثل العلم عند الأحمق كمثل الدر والياقوت عند البهائم ، ومثل الموعظة عند من لا يرغب فيها كمثل المزمار عند قبر الميت ومثل الصدقة من الحرام كمثل من يغسل العذرة بالبول ، ومثل الصلاة بلا زكاة كمثل الجسد بلا روح ومثل العبادة بلا توبة كمثل البنيان بلا أساس ، أفأمنوا مكر الله ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
المزمور المئة والسبعون
يا ابن آدم ، أقبل علي وتفرغ لذكري أذكرك عند ملائكتي ، لاتغتب ولا تذنب ولا تستغفر بغير توبة فإن الاستغفار على الاصرار توبة الكاذبين ، وما ربك بظلام للعبيد. يا بني آدم ، لو خفتم من النار كما تخافون من الفقر لأغنيتكم من حيث لا تشعرون ، ولو رغبتم في الجنة كما ترغبون في الدنيا لأسعدتكم في الدارين ، ولو ذكرتموني كما يذكر بعضكم بعضا لسلمت عليكم الملائكة بكرة وعشيا ، ولو أحببتم عبادتي كما تحبون الدنيا لأكرمتكم كرامة الأبرار والأنبياء والمرسلين ، لا تملؤوا قلوبكم بحب الدنيا فزوالها قريب والآخرة خير وأبقى.
هذا آخر مزمور من كتاب الزبور (مزامير داوود) والحمد لله على التمام والكمال ، وهذا نسب حضرة النبي داوود عليه السلام.
هو داوود بن ايشا بن عوبد بن باعربا بن سلمون ابن يخشون بن عميناذاب بن رام بن حصرون ابن فارض بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام.
كذا في العرايس للثعالبي.
وفي فتح الباري شرح البخاري:
هو داوود بن ايشا بن عوبد بن باعر بن سلمون ابن يارب بن رام بن حصرون بن فارض بن يهوذا ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام.
وكان صلى الله عليه وسلم ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى ، قال أهل التواريخ لما استشهد طالوت أعطت بنو اسرائيل داوود عليه السلام خزائن طالوت وملكوه على أنفسهم وذلك بعد قتل جالوت بسبع سنين ولم تجتمع بنو اسرائيل على ملك إلا داوود وكان عمره عليه السلام مائة سنة مدة ملكه منها أربعون سنة وقيل ولي وله من العمر ثلاثة وثلاثون سنة وبين خروج بني اسرائيل مع موسى من مصر وبين أول ملك داوود ستمائة وستون سنة ، وأما خليقته عليه السلام فكان أحمر الوجه سبط شعر الرأس أبيض الجسم طويل اللحية فيها جعودة حسن الصوت والخلق والاخلاق طاهر القلب وكان أكثر دعائه اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك اللهم إجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد.

تعليقات
إرسال تعليق