القائمة الرئيسية

الصفحات

كتاب صابئة القرآن وصابئة حران - تأليف ميشيل تارديو

كتاب صابئة القرآن وصابئة حران - تأليف ميشيل تارديو

تاريخ الصابئة المندائيين

 

حران مدينة في منطقة الجزيرة في سوريا ، دخلت التاريخ منذ تأسيس مملكة "ميتاني" وخرجت منه بعد اثنين وثلاثين قرنا من الزمان ، حين سوى بها المغول الأرض وهجروا جميع سكانها إلى الموصل وماردي ولها منزلتها الأثيرة في نظر المستشرقين.أولا، لأن أسوارها كانت مقرّ معبد الإله البابلي سين (القمر)، وهو المعبد الذي عرّج عليه زائر شهير في القرن الرابع الميلادي ، إذ هناك أدى الامبراطور جوليان صلواته الأخيرة قبل أن يسقط قتيلا في حربه مع سابور الثاني ، وثانياً لأن الكتاب العرب أفاضوا في تناول عقائد وشعائر سكانها ، فكان لها قصب السبق وظلت على مدى الأيام مدينة الصابئة. وانصبت الجهود منذ قرن لتحديد موقف الحرانيين الإيديولوجي بأدق مما كانت تستطيعه المصادر القديمة ، ولكن هذه الجهود لم تتوصل إلى نتيجة واضحة. وذاك أن علماء الغرب تعثروا بعقبة أن اللغز الصابئي الحراني يخفي لغزاً ثانياً هو لغز الصابئة الذين ذكرهم القرآن في ثلاثة مواضع .

وباءت بالفشل فرضية المقارنة ولم تستطع أن تفرض وجودها ، وهي فرضية قامت على استبدال اسم الجنس "صابئة" باسم "الغنوصيين" بالمعنى العريض للغنوصية.
إن البحوث المعاصرة أكفأ وأقدر من بحوث الأمس على إعادة فحص هذا الملف بعد أن تخلص من الخلط الغريب الذي نشرته بهذا الصدد الكتابات الإسلامية عن الملل والنحل. فمن جانب،تجددت معالجة المسألة الغنوصية باكتشاف ونشر المخطوطات القبطية المعروفة باسم "مخطوطات نجع حمادي" ، وهي كناية عن مجموعة نصوص تنطبق عليها صفة "الغنوصية" بكل دقة. ومن جانب آخر ، فإن كثرة المطبوعات والبحوث المتصلة بالأفلاطونية المتأخرة من شأنه إلقاء الضوء على تاريخ تأثيرات الكتابات الأفلاطونية ، الصحيح منها والمنحول ، وعلى تاريخ التعريفات التي راجت معها.
ولا بد من اتخاذ جانب الحيطة في أمرين اثنين. أولهما تجنب كل خلط قد يكون من شأنه تفسير لغز ما بلغز آخر ، أو إضاءة جميع مساحات الضباب بفرضيات غير قابلة للتمحيص.
وثانيهما الشك بكل مطابقة قوامها مقابلة تصورات ليس لها أي سياق أدبي ومذهبي محدد ، أو أنها لم تخضع لنقد كاف حينما تكون صادرة عن الخصوم.
بمثل هذه الحيطة المزدوجة يُسمح بإخراج المذهب الصابئي من الطريق الظاهراتي المسدود الذي حشر فيه ، ليتم بذلك إعادته إلى أرضية التاريخ.
وبغية تحقيق هذا الهدف يلزم أول ما يلزم إجراء فحص نقدي للمواقف التي توصل إليها البحث المعاصر والتصويبات التي جاءت بها دراسة جان هيارب منذ خمسة عشر عاماً ، وذلك هو الباب الأول في بحثنا الحالي. كما أن علينا من ثم القيام بتحليل مكثف لما أورده المسعودي إيجازا عن هذا الموضوع ، وهذا ما سوف يتيح لنا بالتالي تحديد الموقف التاريخي للمذهب الصابئي الحراني الذي كان مؤلف "مروج الذهب" الشاهد الوحيد عليـه بصورة مباشرة في الجزيرة ، وهذا هو الباب الثاني، أما في الباب الثالث فمن المناسب أن نبين المصادر التاريخية السابقة للنقش الذي نقله المسعودي إلينا ؛ ومن بعد استبعاد كل مزالق الخلط مع المذهب الصابئي الحراني المزعوم ، فلا بد لنا في الباب الرابع والأخير من التعرف بدقة وبشكل نوعي على صابئة القرآن ، الذين نختم بحثنا بهم. 


1- تفحص البحوث المعاصرة وتصويبات جان هيارب: 

البحث الذي قام به جان هيارب هو كناية عن إعادة فحص نقدي للمقولات الرئيسية في المؤلف الضخم الذي وضعه كولسن Chwolsohn حول الصابئة:
1-الصابئة الوارد ذكرهم في القرآن هم المندائيون
2-الموجزات الواردة عن الصابئة الحرانيين في الكتابات
الإسلامية عن الملل والنحل لها قيمة تاريخية
3-إنها تقدم وصفا للمعتقدات المنتشرة فعلا وللشعائر الممارسة فعلاً لدى مريدي عبادة النجوم الساكنين في ديار مضر
4-المذهب الصابئي الحراني اكتسي طابعاً علمياً بدخول الممارسات الأفلاطونية في القرن الرابع الهجري (تحضير الآلهة) وباعتماد العلوم الباطنية (العلوم الخفية ، والسحر ، والخيمياء).
لقد أعاد هيارب فحص المواد المجمعة على يد كولسن والتي أغنتها كتابات جديدة لم تكن معروفة في أيام كولسن ، ومصدرها : الطبري ، والمقدسي ، والبيروني، وخاصة ابن الجوزي ، وتوصل بنتيجة ذلك إلى أربعة استنتاجات سوف أعرضها على التوازي والتعارض في وقت واحد مقابل تلخيصي السابق لمقولات كولسن :
أولا، صابئة القرآن لا يمكن بحال أن يكونوا من المندائيين ؛ ومن طرف آخر ، فاستخدام القرآن لكلمة "صابىء" يترافق دوماً مع كلمة "حنيف" وكلتاهما بمعنى "غنوصي" بالمعنى العريض للكلمة ؛
ثانيا، العدد الكبير من التفاصيل المصورة للعادات الدينية عند صابئة حرّان كما أوردها مؤرخو الملل الإسلاميون هي محض تخيلات أدبية موروثة من تاريخ الملل المسيحي المعادي للغنوصية، ونقلها إلى المسلمين مقدمو المعلومات من المسيحيين ؛
ثالثا، عبادة النجوم لا تؤلف السمة الأساسية للمذهب الصابئي الحراني بالمعنى الدقيق المحدد ؛
رابعا، الأفلاطونية الحديثة التي نسبها تاريخ الملل الإسلامي إلى صابئة حرّان محض وصف عار عن الصحة ، ومن اللازم إطلاقه على زمرة أخرى من الصابئة لا يمكن دمجها مع الحرانيين : وهؤلاء
هم صابئة بغداد.
المساهمة التي قدمها هيارب لا يمكن الاستهانة بها وذاك أنه عرف كيف يستخلص من "كبّة" الأعراف العربية المتشابكة حول الصابئة الخيوط المؤدية إلى قدامى المناظرين المسيحيين. فابن الجوزي ، والدمشقي ، وابن النديم وكتاب "غاية الحكيم" - في القرن الخامس الهجري - المعروف في الغرب تحت عنوان Picatrix بفضل الترجمة اللاتينية في القرن الثالث عشر ، يوردون جميعاً، والحق يقال، بأغنى التفاصيل المثيرة أن الصابئة الحرانيين كانوا يمارسون أثناء شعائرهم السرية المقدسة تناول اللحم البشري على سبيل التقديس مع قتل طفل وممارسة الجنس جماعيا، وأنهم كانوا قد اعتمدوا الطقس الدموي المسمى طقس الرأس الناطق شعيرة للعرافة.
وقالوا إن ذلك الطقس يقوم على تغطيس رجل أو فتى يافع، ويفضل الأبرص ، في الزيت حتى العنق ويترك فيه إلى أن ينفصل اللحم عن الأعصاب ويبدأ بالتفسخ بتأثير العقاقير المضافة إلى الزيت.
عندما يكتمل التفسخ وينتهي، يؤخذ الرأس سليما مع الشبكة العصبية بأكملها ويستخدم آنذاك وسيط عرافة.
ويورد اثنان من الإخباريين المسلمين السابق ذكرهم أعلاه مصادرهما بصدد طقس تناول اللحم البشري والرأس الناطق. فابن النديم يقول إنه استمد معلوماته من مسيحيين اثنين : أبو يوسف يشوع القطيعي وسعيد وهب بن ابراهيم . وابن الجوزي يستمدها هو الآخر من مسيحي ، يحيى بن بشر النهاوندي . فلم يكن على هيارب والحال هذه إلا ملاحقة سلسلة المناظرين المسيحيين الناطقين بالسريانية وصولاً إلى الحلقة الأولى التي كانت نقطة البداية. فأما تهمة تناول اللحم البشري في قرابين سرية فمصدرها : الهرطقة السادسة والعشرون من كتاب Panarion لمؤلفه إبيفان Epiphane وأما حكاية الرأس الناطق فمصدرها : التواريخ السريانية في القرن السادس ، وهي مناظرات لدحض المانويين قبلت دون أدنى تشكك ،أي حرفياً ، ما لم يكن في المصادر الإغريقية إلا ضرباً من الشعوذة غير المؤذية على يدي خيميائي مشعوذ.
لقد أجرى هيارب فحصاً نقدياً ما في ذلك أدنى شك لهذه الأعراف ، وفحصه ذاك يعتبر بحق ، في هذا المجال ، نقطة تحول غير أن استنتاجاته المتعلقة بتحديد هوية صابئة القرآن ، وتحديد الخصوصية الإيديولوجية النوعية للمذهبين الصابئيين : الحراني والبغدادي ، لا تكتسب صفة الحسم في مجملها. فبين هيارب بصدد النقطة الأولى ، وعلى عكس رأي كولسن الذي أصبح من بعده حقيقة ثابتة في جميع المعاجم ( بما فيها معاجم اللغة العربية ) وحتى لدى ك. رودولف نفسه ، بأن الصابئة الذين يتحدث عنهم القرآن ليسوا من المندائيين.
وكان كولسن قد دعم مقولته : "صابئة القرآن = المندائيون" بحجتين اثنتين. أولاهما أنه جعل اشتقاق الكلمة القرآنية : "صابىء" من الفعل السرياني : "صبأ" ومعناه "غمس"، "عمد" : ومن هنا جاءت تسمية "المعمداني" التي أطلقت على المندائيين وغيرهم-Elchasaites - دون أي تمييز. وثانيتهما مستندها خبر وارد في " الفهرست " يقول إن تسمية " صابئة " كان قد اقتبسها من الصابئة - المندائيين " الحقيقيين " في جنوب بابل وثنيو الشمال في مطلع القرن الثالث الهجري ، وهو اقتباس منحول اكتسب صفته الرسمية الشرعية أثناء زيارة الخليفة المأمون لحران في عام215للهجرة الموافق لعام 830 في التقويم الميلادي.
وقد ردّ هيارب على حجة كولسن الأولى مبينا أن علماء "الحديث " و " التفسير " الأولين ، وهم من جيران المندائيين حيث كانوا يسكنون مثلهم في منطقة البصرة ، والكوفة ، وواسط ، ما كانوا مهتمين بتدوين التاريخ الديني السابق للإسلام. وإنما انحصر اهتمامهم بتطبيق " الشرع " تطبيقا فوريا ومحسوسا. كانوا يعيشون على تماس مع طائفة دينية لاهي يهودية لاولا مسيحية أو مزدكية ، لكنهم لم يحددوا تحديداً دقيقاً - إذن لكانوا قد حققوا خطوة تأريخية المنحى ، وهو ما قام به الفقهاء والموسوعيون اللاحقون وصولاً إلى كولسن - وإنما أطلقوا صفة قرآنية ، أصبحت خطأ بمثابة اسم جنس ، على جماعة بشرية محددة يعرفونها حق المعرفة وهي جماعة مندائيي المستنقعات العراقية الذين كانوا قد دونوا لتوهم ، غداة الفتح الإسلامي ، ما لديهم من " كتب مقدسة " ، ولكنهم من جانبهم ، ما كان اسمهم "صابئة" ، لا ولا " صبا ". ونتيجة لذلك فتفسير "صابيء" بالكلمة السريانية "صباً " يظل مجرد افتراض جاء به مستشرقون وليس له قيمة تاريخية . وهي فرضية لم ترد إطلاقاً لدى الكتاب المسلمين. ناهيك ، من الناحية الصوتية ، أن اللغة العربية لديها جذر " صبغ " المقابل للجذر السرياني " صبا ".
إذن " صابئي " لا تعني " المعمداني " ، وصابئة القرآن ليسوا مندائيين ، فما تعني كلمة " صابىء " ، ومن هم صابئة القرآن ؟ هنا ، يجرب هيارب شرح ما هو غامض بما هو أشد غموضاً ، بفتواه أن تحديد "صابئة" القرآن لا يمكن أن ينفصل بحال من الأحوال عن تحديد "الحنفاء" الوارد ذكرهم في القرآن. ولكن هيارب ، مع ذلك ، لم يفترض التطابق كاملاً هكذا بكل بساطة بين الجماعتين ، كما كان قد اقترح سبرنجر - Sprenger . فقد ورد لدى هيارب :
"هاتان الكلمتان ، أي ( صابىء ) و ( حنيف ) ، " لهما تقريبا المعنى ذاته ، والمضمون ذاته : سوى أن الصابئي كانت تسمية تحمل معنى التنديد إذ تدل على غنوصي ، ولكنه غنوصي ( ذمي ) وبالتالي لا ينتسب إلى الطائفة الإسلامية ، بينما ( حنيف ) كلمة يقصد بها الغنوصي الحق ، المسلم الذي كان ينتسب للدين الفطري الخالص. ثم هاهو هيارب يضيف من بعد هذا :
" الصابئة تسمية أطلقوها على كل دين ، وعلى كل التأملات الدينية والفلسفية، مثلما وسم بها كل شخص ذي ميول غنوصية ".
واستناداً إلى منقول السير والتراجم التي استطاع فلهوزن Wellhausen استخراجها، والتي أضاف إليها هيارب بعض الكتابات الموجزة ، فأصحاب محمد الأوائل ، والرسول نفسه معهم، أطلق عليهم خصومهم اسم "صابئة"، وكان أولئك الخصوم من مشركي مكة. ولكنهم من جانبهم دفعوا عن أنفسهم تلك الصفة وأرادوا أن يقال عنهم "حنفاء" وأصبحت كلمة "حنيف" منذ ذلك الوقت مرادف "مسلم"، أي "مؤمن"، حسب القرآن. وهكذا ، وبالطريقة نفسها التي نسب الحرانيون بها أنهم من "الصابئين" أعلنوا على حد سواء أنهم "حنفاء" . ويرى كولسن في التستر وراء التسميتين ضربا من ضروب الخداع. وأما هيارب فيزعم أن لا خداع في ذلك إطلاقاً ، لكنه لا يورد أية حجة دعما لوجهة نظره.
هذه القضية برمتها قائمة على الإبهام واختلاط المصطلحات. فمن جانب أول ، كانت تسمية "حنفاء" ، التي طالب بها الحرانيون ذوو اللغة العربية والسريانية ، تعني لهم "وثنيين" ، إذ أن الــ"حنبي" - بالسريانية - هم ورثة الوثنية القديمة ، "حنبوتا" وذلك ما كانوه حقا وصدقاً . على أن الخداع ، من طرفهم ، كان في استخدامهم للكلمة بمعناها الذي ساد في المجتمع الإسلامي ، حيث الحنيفية أصبحت منذ ورودها في القرآن تعني الدين التوحيدي الخالص ، دين الأصول الذي سار عليه سابقو ابراهيم وابراهيم نفسه ، والذي عاد من ثم للظهور مع محمد. من المناسب بالتالي ، فيما يبدو لي ، التمييز بوضوح بين مشكلتين :
1- التحديد السوسيولوجي والمذهبي لـ "الصابئة" و"الحنفاء" الوارد ذكرهم في القرآن ، والعلاقة المتبادلة بين الفريقين ، وهو أمر لا نملك أي مصدر مباشر يطلعنا عليه ، كما أن العرف الإسلامي لم ينقل لنا عنه أي خبر تاريخي دقيق ؛
2- الرجوع إلى هاتين التسميتين في القرن الثالث الهجري لأسباب محض سياسية من قبل جماعة دينية تعيش في شمال بلاد ما بين النهرين ، جماعة الحرانيين ، والذين كان من السهل عليهم المناورة وتقديم أنفسهم إلى المسلمين باعتبارهم خلفاء ابراهيم ، الحنيف الخالص ، نظرا لأنه كان من بعض مواطنيهم.
ومن جانب ثان ، فهناك اختلاط في استخدام هيارب لصفة "غنوصي" . فتراه يتحدث عن "الاتجاهات الغنوصية" ، وعن الغنوصية ، "بمعناها العريض" ، وعن الصابئة والحنيفية ، وقد تمايزت الأولى عن الثانية بالتصور اللاجسماني لمفهوم الوحي والنبوءة. ويتبنى هيارب في هذا الموضوع دون أي نقاش نقدي مقولة بدرسان Pedersen ، الذي كان يتحدث عن الغنوصية حيث لا يكون سوى فكرة تأليه المسيح ، والذي كان ابن عصر هيمنت عليه أفكار ريز نستين Reitzenstein . لكن ، في أيامنا هذه التي ازددنا فيها اطلاعا على التوثيق المتعلق بالغنوصية والتي تجدد فيها جزئيا هذا التوثيق بمصادر مباشرة ، فمن الصعوبة بمكان ، في قناعتي ، القبول بأن الصابئة والحنيفية يمكن أن تكونا التعبير العقلاني الخالص عن العقيدة الغنوصية باعتبار الغنوصية المبدأ الشمولي الموحد للمعرفة الدينية. ولو قبلنا بأن صابئة القرآن كانوا من الغنوصيين ، فلا يمكن أن يكون ذلك قطعاً بالمعنى الغامض الملقى كيفما اتفق كما هو وارد في دفاع هيارب عن أفكاره أما بصدد النتيجتين ، الثالثة والرابعة ، اللتين توصل إليهما هيارب في تناوله لأولئك الذين أطلق الكتاب العرب عليهم صفة الصابئة الحرانيين ، فيبين مؤلفنا بوضوح أن الكتابات الإسلامية عن الملل والنحل وضعت في خانة واحدة جماعتين متمايزتين : الحرانيين بحق ، وهم القاطنون في عاصمة ديار مضر ، والحرانيين المنشقين ، "المارقين" ، الذين أسسوا مدرسة في بغداد ، من القرن الثالث حتى القرن السادس للهجرة ، وكان المؤسس التاريخي لها ثابت بن قرة ، فإلى هؤلاء انتماء الحرانيين الذين يستشهد بهم الكتاب العرب.
وما يزال سبب الانشقاق البغدادي مجهولاً . وقد تقدم كولسن بفرضية مفادها أن المروق البغدادي كان ذا طابع مذهبي وكان مرتبطاً بتبني الأفلاطونية الحديثة. غير أن هيارب يرى أنه ذو طابع طقوسي ، وأنه على ارتباط بمعارضة العبادة قيد الممارسة في معابد حرّان. والفرضيتان كلتاهما لا يمكن دعمها بأي مستند. على أي حال ، فهناك ، حسب هيارب ، اتجاهان متعارضان فمن جهة ، الحرّانيون بالمعنى الدقيق ، وهؤلاء هم على ما يفترض"المحافظون" المتمسكون بالدين التقليدي في حران ، ومن جهة أخرى "العلماء" البغداديون ، والأطباء ، والفلاسفة ، ومحضرو الآلهة ، والفلكيون ، والخيميائيون ، الخ... ورثة المذهب الصابئي الحراني ، لكنهم في موقف حواري مع المسلمين.
وقد أثبت هيارب ، من طرف ، أن كتابات ابن الجوزي ، والشهرستاني ، والدمشقي ، وهم أكثر من أفاض في عرض التنجيم الحراني ، كانت مستقاة من مصادر مارقة ، بغدادية ومسيحية( النهاوندي ) ، وقد رتبت وسبكت لتبرهن أن الدين الحراني برمته يتلخص بعبادة آلهة الكواكب ، وبين من طرف ثان أن الأفكار الفلسفية المنسوبة إلى هؤلاء الحرانيين بصدد اللاهوت السلبي ، وأزلية العالم ، ومفهوم المادة ، ووساطة النجوم ، وروح العالم ، كانت قد نقلت إليهم تحت راية أرسطو ، أي أنها كانت تحت هيمنة أفكار "لاهوت أرسطو" - أو "علم الإلهيات" لأرسطو – وبتأثير اثنين من الأفلوطينيين الحديثين : جمبليك وبروكلس. وفي نهاية المطاف ، فإن تحليل ما كتبه ابن النديم عن تلك العقائد ، وتحديداً قول للكندي نقله تلميذه السرخسي ، قد يكون فيه ما يثبت بأن العقائد المعنية لا يمكن أن تعود إلى ما هو أبعد من العالم الحراني مؤسس مدرسة بغداد ، ألا وهو ثابت بن قرة.
وإذا كان من الصعب المجادلة في تحليلات هيارب بخصوص النقطتين الأوليين ، فإن وجهة نظره بصدد الخصومة بين الاتجاه الحراني المحافظ وبين الأفلاطونية البغدادية الحديثة تظل ، بالمقابل ، أكثر تعرضاً للجدل والمناقشة. فالأفلاطونية ، أو ، إذا ما فضلنا ذلك ، لنقل الأفلاطونية الحديثة ، لم تنشأ في بغداد هكذا من العدم على يدي ثابت بن قرة. فهو نفسه كان تحت تأثير التعليم الذي كان قد تلقاه في حران. ناهيك أن الاستخدام الفضفاض وغير المحدد من قبل هيارب لكلمة "غنوصي" في سعيه للتعريف بصابئة القرآن يُستعاد بصورة مغيظة بصدد الحرانيين. فها هو يتحدث عن الغنوصية الباطنية لدى هؤلاء العلماء وعن لاهوتهم "الغنوصي الأفلاطوني الحديث". والأشخاص ذاتهم يلصق بهم أنهم بنتسبون إلى "لاهوت باطني". ألا فإن مثل هذه التسميات الاصطلاحية التي يختلط فيها كل شيء بكل شيء لا يمكن القبول بها بحال من الأحوال. لكننا رغم الانتقادات التي يجب علينا توجيهها لما قام به هيارب من إعادة فحص نقدي منهجي لمقولات كولسن لا نستطيع إلا أن نقرّ بأنها تشكل مساهمة بالغة الأهمية في تاريخ الأفكار. وقبل أن نعود مجدداً إلى حالة صابئة القرآن دعونا نقدم في موضوع النقاش حول صابئة حرّان المزعومين بعض العناصر التاريخية الجديدة التي سوف تسمح لنا أن نحدد هويتهم.

2-المسعودي الشاهد المباشر الوحيد على الموقف التاريخي للمذهب الصابئي الحراني:

لاغنى عن جلاء الأعراف المتناقلة عندما تكون نقطة الانطلاق واقعة تاريخية ما. فالمعبد الوثني الأخير في حران دمر في القرن الخامس للهجرة حين خضعت المدينة لسلطة سلالة النميريين من البدو الرحل. ولا يوجد فعلياً أي شاهد ، اعتبارا من ذلك التاريخ ، فيه ما يثبت وجود نشاط وثني في حرّان. على أن مجمل الكتابات العربية تقريباً بخصوص الصابئة الحرانيين دونت لاحقا : عبد الجبار ، البيروني ، ابن حزم ، ابن الجوزي ، الشهرستاني ، میمون ، ابن القفطي ، الدمشقي. ولم يزر أي من هؤلاء الكتاب حران ومنطقتها. ومعلوماتهم مصدرها خصوم للحرانيين ، من مسيحيين ومسلمين ، يسقطون على الواقع الماثل تخريجات مذهبية ونتيجة لذلك من الممكن استبعاد جميع هذه الكتابات.
يظل لدينا الكتاب السابقون : الطبري ، المسعودي ، المقدسي ، ابن النديم ، الخوارزمي ، وهم من أبناء القرن الرابع الهجري. وكانوا يعيشون في زمن كانت الوثنية الحرانية ما تزال فيه على أشد حيويتها . ونعلم في واقع الحال ، أن الخليفة عبد الكريم (الطائع ) في نهاية ذلك القرن يؤكد في رسالة مكتوبة موجهة إلى "صابئة" حرّان ، والرقة ، وديار مضر على حقهم في العبادة والتعليم. من الممكن إذن لأي مراقب حينذاك معاينة حال "صابئية" حران على أرض الواقع. فماذا بشأن الكتاب الخمسة الذين ذكرناهم ؟ ثلاثة منهم : الطبري ، والمقدسي ، والخوارزمي ، يكتفون بنقل ما روي لهم. أما ابن النديم فيورد أخباراً كثيفة لكنها متفاوتة المستوى : وهناك فقرتان طويلتان مما أورده مستقاهما من مناظرين مسيحيين ، وهما حشد متراكم من التلفيقات ؛ وأما الفقرة التي يفتتح بها ابن النديم هذا البحث فتستحق اهتماماً أكبر حيث أنها استشهاد للكندي نقله عنه السرخسي الذي كان يتكاتب مع ثابت بن قرة. ومع أن هذا القول المنقول لا يأخذ صفة إعادة صياغة مثالية للعقيدة وشعائرها فهو لا يقدم لنا أي تحديد زمني دقيق فلا يبقى بين أيدينا إلا المسعودي ، الوحيد بين هؤلاء الكتاب الذي ذهب شخصياً إلى حرّان. ولم يكن تحريه بعيد الغوص هنـاك ولكنه يتضمن مع هذا بندا رئيسيا لم يتنبه إليه النقد القديم والحديث وتستحق هذه الشهادة العيانية جدارة خاصة ولا بد أن تتيح القيام بتقدير تاريخي محدد الدلالة لما تتضمنه بالضبط عبارة "المذهب الصابئي الحراني". إن المسعودي يتحدث عن زيارته لحران في كتابه : "مروج الذهب ومعادن الجوهر" الذي أتم تأليفه في عام335هـ / 946 م ، قبل وفاته بعشر سنوات. وها هو النص الذي أورده المسعودي ، كما هو مدوّن في طبعة باربيي دومينار Barbier de Meynard ، بترجمة شارل بلا Charles Pellat :
" ورأيت على باب مجمع الصابية بمدينة حران مكتوبا على مدقة الباب قولا لافلاطون افهمني تفسيره مالك بن عُقبون وغيره منهم وهو "من عرف ذاته تأله" وقد قال افلاطون "الانسان نبات سماوي" والدليل على هذا أنه شبيه شجرة منكوسة أصلها إلى السماء وفروعها إلى الأرض".
ولم يتحر أحد من الثلاثة كولسن ، وباربيي ، وبلا أصل هذين القولين لدى أفلاطون. أما القول الثاني فمصدره كتاب "المثل" أو – Timée - ( 90A7-B2 ) ؛ ويظهر في سياقه لدى المسعودي وكأنه استذكار قراءات رفيعة المستوى لدى المؤلف ولم ينقله إليه محدثوه الحرّانيون . وأما القول الأول ، فهو وضوحاً تذكير بما جاء في كتاب السيبياد - Alcibiade – (133 C٫) وكان باربيي دو مينار ، متابعاً في ذلك ما جاء به كولسن ، قد ترجم ذلك القول كما يلي : " إنما يخشى الله من يعرفه " ، حتى قام بلا، عن دراية ورويّة ، بتصحيح ترجمة سلفه. ويذكر كولسن في ملاحظاته في ملحق الجزء الثاني من كتابه التصحيح الذي كان قد نقله إليه فليشر Fleischer بصدد هذه النقطة بالذات ، وهو :
"من يعرف جوهره/ذاته الحقيقية يصبح إلهياً، شبيهاً بالإله"
على أن التصحيح لم يقرأه أي من باربيي دومينار أو بلا !
وقبل أن نعيد فحص هذه الفقرة من " مروج الذهب " لمزيد من توضيح مفرداتها والتعرف على مداها الأكمل ، من المهم الإشارة إلى أن المسعودي رجع صراحة إلى هذه الحكمة التي ترجموها له وشرحوها في حرّان ، وكان رجوعه هذا في كتاب آخر من تأليفه فها هو في "كتاب التنبيه والإشراف" الذي كتبه قبيل وفاته بفترة وجيزة ( 345 هـ / 956 م ) والذي هو بمثابة "مراجعات واستدراكات" ، يشير إلى ذلك المبدأ بالتعبير التالي :
" وما يذهبون إليه من قول افلاطون أن من عرف نفسه حقيقة تأله ومن قول صاحب المنطق من عرف نفسه فقد عرف بها كل شيء ".
وهذه السطور باللغة العربية لا تستهل بجملة تمهيدية أساسية. إنما هي قسم من تعداد طويل ، تمهيده قول : " وذكرنا.."، وفي هذا التعداد يستعرض المؤلف مختلف المواد التي عالجها بالبحث في اثنين من مؤلفاته السابقة ، أحدهما بعنوان : "كتاب المقالات في أصول الديانات" والآخر عنوانه : "خزائن الدين وسر العالمين ".
على هذا ، ومع أخذ الاستشهاد الوارد في "مروج الذهب" بعين الاعتبار ، يكون المسعودي قد تحدث عن المبدأ الأفلاطوني لـ"ألسيبياد " في أربعة من تآليفه على أقل تقدير. وما رجوعه المتكرر هذا إليه إلا لأنه قد فهم حق الفهم أن ذلك المبدأ كان أساسيا لدى محدثيه الحرانيين وأنه يتضمن في حد ذاته تلخيصاً لجميع فلسفتهم.
واستنادا إلى الموجز الوارد في " التنبيه " عن " المقالات " و " الخزائن " يتجلى أن سياق إيراد قول أفلاطون في الكتابين كان بصدد استعراض حقيقة " الصابئة الروم ". والأفكار التي ينسبها المؤلف إليهم تدل على أن تلك التسمية ، وضمنها تسمية "الصابئة الحرانيين" ، يجب أن تؤخذ ها هنا بمعناها الفلسفي الضيق إشارة إلى " الأفلاطونيين ". ولا يكتفي المؤلف بذكر اسم بورفير Porphyre في هذا المجال ، بل يزيد فيورد اسم المتكاتب معه "رجل الدين المصري ، أنابو ". وقد دونت الخلافات العقائدية بين بورفير وأنابو ، كما يذكر المسعودي ، "في رسائل يعرفها كل من يهتم بعلوم الأقدمين ".
ترى ، فما القناة التي أوصلت مضمون "رسالة إلى أنيبون" ليس إلى المسعودي نفسه وإنما إلى مصدره ؟ والتعارض بين هذا البورفير " الذي كان مسيحيا (كذا ! ) لكنه يدافع سرا عن معتقدات الصابئة الروم أي الأفلاطونيين ، وبين أنابو ، الوثني الخالص والمتصلب ، والذي ظل متمسكاً بعقائد الفلاسفة الأقدمين ، يمكن أن نستوحي منه أن بورفير "رسالة إلى أنيبون" عرفه مصدر المسعودي عن طريق الكتابات المناصرة للمسيحية.
وفي السياق المباشر الذي ورد ضمنه القول الأفلاطوني في كتاب "التنبيه" نجد استشهاداً ثانياً ينسبه المسعودي إلى "صاحب المنطق". وهذه الصيغة كناية ، كما هي الحال غالباً لدى الكتاب العرب ، ليس عن أرسطو نفسه ، وإنما عن أحد شراحه الاسكندرانيين. والحقيقة فالقول بأن "من عرف نفسه عرف بها كل شيء" وهو ما قدم المسعودي به لنصه باللغة العربية ، هو من الأفلاطونية الحديثة. ونجده حرفياً لدى اثنين من الاسكندرانيين :
هر مياس Hermias ، وأولمبيودور Olympiodore . أما هرمياس
فيقول في " In Phaedrum " : "من عرف نفسه، عرف كل شيء."
ويقول أولمبيودور في " Alcibiadem " : "العارفُ بذاته يعرف كل الموجودات."
والقولان كلاهما مترادفان مع شعار " دلف ". وهكذا فإن دمجهما في "التنبيه" يعود بنا في خط مستقيم إلى التأويلات التقليدية للـ :
"y var davto v " على أيدي الأفلاطونيين الحديثين في شرحهم لكتاب أفلاطون " السيبياد". و "صابئة حرّان" الذين شرحوا للمسعودي الكتابة السريانية المنقوشة على مدقة الباب الخارجي والذين كانوا يعتبرون أنفسهم من "الصابئة الروم" ليسوا بالتالي إلا "أفلاطونيين" بالمعنى الدقيق للكلمة.
وحسب الشهادة المباشرة الواردة في " مروج الذهب " ، فالمكان الذي كانت مدقة مدخله تحمل بالنقش السرياني القول المحوري في الجزء الأول من " السيبياد " كان يقال عنه باللغة العربية : " مجمع "، وترجمها بـلا بـ " مكان اجتماع "، وهذا هو المعني الحرفي للكلمة . أما باربيي دومينار فكان قد ترجمها بـ" معبد" ، متأثراً دون شك بكولسن الذي كان قد قال عنها إنها "بيثوس"، وكان كولسن قد اندفع إلى هذه الترجمة دون سواها ، لأن ابن النديم في حديثه عن أعياد الصابئة أورد أيضاً ما أطلق عليه اسم " مجمع " ، وكانت تقدم فيه في /3/ أيلول وجبة دينية عقب الانتهاء من العيد : " في ذلك اليوم، كانوا يضحون بثمانية حملان ذكور ، سبعة منها للآلهة وواحد للرب [ شمال ] ، ثم يأكلون في مجمعهم ، ويشرب كل منهم سبعة أكواب من الخمر ".
وبالنسبة للعالم الروسي ، فالـ " مجمع " الذي كانوا يأكلون فيه لحم الأضاحي المقدسة ، والذي كان بابه الخارجي يحمل نقشاً يذكر بنقش معبد " دلف " ، ما كان له أن يكون إلا : "مكان تجمع ديني" وبالتالي فإن " مجمع " هي مرادف " هيكل " أي "معبد".
ألا فلا أبعد من هذا التفسير عن الثقة. فمن طرف ، خلط كولسن في هذه القضية بين مصدرين مختلفين : مصدر ابن النديم من المناظرين المسيحيين المعادين للصابئة ، أبو سعيد وهب بن ابراهيم ، ومصدر المسعودي الذي يورد ما شاهد وما سمع . ومن طرف ثان ، فلا يوجد أي شيء يسمح لنا أن نقول إن " المجمع " الذي تقدم فيه مأدبة مقدسة لعيد أيلول الصابئي المقدس هو نفسه " المجمع " الذي كان على بابه ذلك النقش . ونحن على الأرجح الغالب حيال مكانين مختلفين يتردد عليهما أشخاص مختلفون . وإنه لاستنتاج متعجل دون أية روية أن نفترض ، بحجة أن النقش السرياني يمكن أن يعتبر عقائدياً بمثابة رجع صدى لشعار دلف - وهو كذلك فعلا وفق العرف الأفلاطوني - ، بأن المكان الذي كتب على بابه هو مكان عبادة.
إن " مجمع " المسعودي الذي تحمل مدقة بابه الخارجي قولاً أفلاطونيا مأثوراً ليس سوى المكان الذي كان يجتمع فيه فلاسفة حران . وشهادة " مروج الذهب " حاسمة حول هذه النقطة. فالمسعودي يصنّف الحرانيين في جماعتين : جماعة الفلاسفة الحشويين ، أي "من الطبقة الدنيا والعوام" وهؤلاء هم أتباع الديانة الوثنية لحران ، وجماعة "الحكماء "بالمعنى الدقيق ، وهؤلاء هم ورثة فلاسفة الروم . ويوضح المؤلف : " ونقول عنهم حكماء فلا نعني بذلك الحكمة لا غير وإنما المصدر الذي صدروا عنه لأنهم روم. وكي يضرب مثلاً على المستوى الرفيع لـ " حكماء الروم " في حرّان ، يورد المسعودي أنذاك ما قرأه على باب" مجمعهم " ، وينطلق مباشرة ، على سبيل استخلاص النتيجة النهائية ، في عرض تخصصي للفلسفة اليونانية. ضمن مثل هذا السياق لا يمكن لكلمة " مجمع " أن تدل إلا على مكان مخصص لاجتماع رجال فكر.
ويميز المسعودي تمييزاً كاملاً أمكنة العبادة أو " معابد " الديانة الشعبية عن " المجمع " الذي يجتمع فيه " الحكماء الروم ".
وأما بصدد المعابد فيعترف أنه حين أجرى مراجعة " مروج الذهب"، أي في 336 هـ / 947 م ، لم يكن يوجد سوى معبد وحيد ، " وهو معبد يسمونه " ميلطية "، وموقعه داخل مدينة حران ، قرب باب الرقة ". وأما المركز الثاني للوثنية الحرانية الذي كان ما يزال قيد العمل فهو مقر " الصابئة الروم " أي الأفلاطونيين ، ويكون معنى مجمع " في هذا المجال هو " أكاديمية ". والمكان الذي طلب المسعودي أن يشرحوا له النقش السرياني الذي كان يزيّن مدقة بابه لم يكن إلا أكاديمية حرّان الأفلاطونية . وأولئك الذين رافقوا المسعودي أثناء قيامه بزيارته كانوا أعضاء تلك الأكاديمية ، أما مالك بن عقبون الوارد ذكره كمترجم ذلك النقش فهو حسب كل الظواهر رئيس الأكاديمية . ويذكر المسعودي فيما يذكر أنه استوضحه عن بعض المسائل التخصصية والتاريخية بصدد الفلسفة اليونانية . وأثناء هذا الاستيضاح ، علم من مالك بن عقبون ومن غيره منهم ، أي من باقي فلاسفة " المدرسة " ، أنهم كانوا يرفضون رفضاً قاطعاً طقوس الأضاحي والعرافة لدى الحرانيين ، وكذلك الاحتفالات " الباطنية و السرية ". إن المسعودي ، والحال هذه ، يميز كل التمييز بين الوثنيين العاديين في حرّان وبين الفلاسفة الحرانيين . وما اهتم بعرض لقائه مع مالك بن عقبون ، إلا لأن هذه الشخصية كان لها موقعها وسلطتها في " المدرسة ".
وعلى منوال أكاديمية أفلاطون الغابرة ، أو بالأحرى ، ما كانوا يروون عنها، فإن " مدرسة " حران كانت تحمل ، ليس على واجهتها الجبهية وإنما على مدقة مدخلها حكمة تدعو كل من يجتاز العتبة إلى الـ"بيوس فيلوسوفيكوس" وفي فترة زيارة المسعودي في 332 هـ / 943 م كان لوثنية حران مركزان ناشطان :
المعبد المسمى " ميلطية " و المدرسة الأفلاطونية . والتعليقات الانتقادية التي سمعها من المترددين على " المدرسة " تدل على أن هذين الركنين للوثنية الحرانية كانا تعبيراً عن غايات مختلفة ، وكانا ، لهذا السبب ، على تنافس فيما بينهما.
وأصبح مسلماً به منذ كولسن أن كل نشاط فكري قد توقف في حران بعد استقرار ثابت بن قرة في بغداد (ت. 288 هـ / 901 م ) مع تلامذته. وقد رأى كل من كولسن وهيارب في هذا الانتقال "انشقاقا": يفسره الأول بأسباب عقائدية ، بينما يرده الثاني إلى أسباب عملية شكلية. لكن المرجح أن ثابت الذي اجتذبته هبات الخليفة كان قد اختار بغداد لأسباب اجتماعية وسياسية " إذ العاصمة العباسية تقدم آنذاك إمكانيات إشعاع أكبر مما تقدمه عاصمة ديار مضر ". علما أن هذا الرحيل إلى بغداد لا يعني إغلاق " مدرسة "حران ، لا ولانهايتها. فقد استمرت طويلا والدليل أنها لدى زيارة المسعودي في 332 هـ / 943 م ، أي بعد ما يزيد عن سبعين عاماً من انتقال ثابت بن قرة إلى بغداد ، كان ما يزال فيها أعضاء وعلى رأسهم مالك بن عقبون حفاظاً على مؤسسة مزدهرة وذات تاريخ عريق يمتد لمئات من السنين.
وفي كتاب " التنبيه " فقرة تلخص شرح كتاب " فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف " ، وهو كتاب مفقود اليوم ، وكان ماكس ميرهوف Max Meyerof دون تدقيق كاف قد استعان به في كتابه "Alexandrien Von Bagdad nach". وهذه الفقرة الإخبارية تبين أهمية الدور الذي قامت به حران باعتبارها حلقة الوصل التي أتاحت عبور علم وفلسفة اليونان إلى العالم العربي.
وجاء لدى المسعودي أن " مجلس التعليم " ، أي المؤسسة الأكاديمية ، انتقلت للمرة الأولى " من أثينا إلى الاسكندرية ". والسطور التالية في طبعة غوج Goeje حتى منتصف السطر الثاني من الصفحة 122 هي توضيح يشرح بالرجوع إلى الماضي الانتقال إلى الاسكندرية والذي يفترض أنه قد تمّ ، على ما يقول المسعودي ، إبان حكم ثيودوز ، وعلينا أن نفهم أن المعني هو ثيودوز الثاني ( 408 - 450 ) . وإذا ما أخذ هذا الخبر كما هو ، تبين أنه مغلوط حيث أن " مدرسة أثينا " في ذلك التاريخ كانت في أوج نشاطها
بإشراف بلوتارك Plutarque ثم بروكلس. والواقعة التي يشير إليها المسعودي يجب أن نضع تاريخاً لها على أقل تقدير بعد ربع قرن من وفاة ثيودوز. وهو ما يتوافق مع بدء تعليم أمونيوس Ammonius كرئيس لـ " مدرسة الاسكندرية ".
فيما بعد ، ودائماً حسب قول المسعودي ، انتقل " مجلس التعليم من الاسكندرية إلى انطاكية " إبان حكم عمر بن عبد العزيز ( 99 - 101 هـ / 717 - 720 م ) ثم " من هناك إلى حران" في خلافة المتوكل (232-247 هـ / 847 - 861 م).
وعلى الرغم من السلطة التي اكتسبها هذان التأريخان منذ أن مهرهما ميرهوف بمباركته ، فمن واجبنا الإقرار بأنهما ليسا أكثر مصداقية من التاريخ الأول المتعلق بتحديد الانتقال من أثينا إلى الاسكندرية . وذاك أن تحديد الانتقال من الاسكندرية إلى انطاكية أثناء خلافة عمر الثاني يطيل بشكل مغلوط ديمومة أعمال " مدرسة " الاسكندرية لقرن ونصف قرن من الزمان ؛ وبالمقابل فتأخير الانتقال من انطاكية إلى حرّان حتى خلافة المتوكل يقلص "مدرسة " حران إلى الحدود الدنيا ويحصرها بما كان " أقماً " ما عرفته من نشاط قبل رحيل ثابت بن قرة إلى بغداد . هذا وإن ابن أبي أصيبعة يؤكد في كتابه " عيون الأنباء في طبقات الأطباء " المؤلف في 640هـ / 1242 م انتقال " مدرسة " الاسكندرية أثناء وصول عمر الثاني إلى الخلافة في 99 هـ / 717 م . لكن الانتقال المعني بالنسبة له هو بالطبع بصدد مدرسة الطب ؛ ومن طرف ثان، فذلك الانتقال يقول إنه تم " باتجاه انطاكية وحرّان " على التوازي. فكيف السبيل إلى التوفيق بين هذه المعلومات من جهة ، وبين المعلومات التي يوردها المسعودي من جهة ثانية ؟
إن إرجاع انتقال التعليم الاسكندراني إلى سوريا إبان خلافة عمر الثاني يبدو بوضوح نوعاً من المحاججة المناصرة للخلافة الأموية . ويجب علينا أن نفهم هذين الخبرين ، ليس باعتبارهما تاريخاً لانتقال مؤسسات ، وإنما كإثبات للنشاط الفكري المستمر على حد سواء في انطاكية ( مدينة وتخما ) وفي حرّان ( مدينة وتخما ) ،
مع نهاية القرن الأول الهجري ، حيث كان كل من المركزين يطالب بلقب وشرف حيازة الإرث الاسكندراني. وأما عدم إشارة ابن أبي أصيبعة إلا إلى " انتقال " مدرسة الطب فلا يصعب فهمه ، لأن النشاط الطبي وتعليم الطب هما ، في واقع الحال ، جزء لا يتجزأ من النشاط الفلسفي وتعليم الفلسفة ، فلم يتم " تغيير موقع " الطب دون "تغيير موقع " الفلسفة.
وعندما أصدر جو ستنيان أوامره في عام 529 بإغلاق " مدرسة " أثينا ألف جان فيليبون Jean Philippon في الاسكندرية « De aeternitate Contra Proclum ». وقد تزامن الإنهاء الرسمي للأكاديمية مع سيطرة المسيحيين دينيا على مدرسة الاسكندرية. وبعد ذلك بثلاثة أعوام كان اتفاق السلام الموقع بين كسرى أنو شروان وبين جو ستنيان ، وهو الاتفاق الذي أتاح لمنفيي " مدرسة " أثينا ، داما سكيوس وسمبليكيوس وزملائهما ، بمغادرة إيران ، لكن ماتزال الشكوك الكثيفة تحوم حول تحديد الوجهة الجديدة التي يمموا شطرها. إن النقش على بلاطة قبر" زوسمة " في حمص ، يعود تاريخه إلى 538 م وهو كتابة لداما سكيوس ، فنستوحي منه أن هذا الأخير كان يعيش آنذاك في سوريا . في أية مدينة إذن ؟ أما انطاكية ، الموقع الحصين للمسيحية ، فتبدو مستبعدة والرها أيضاً ، لأن مدرستها الخاضعة للنسطورية كانت مغلقة منذ عام 489 . ويصدق الأمر نفسه أكثر فأكثر على نصيبين التي كانت في أرض إيرانية والتي كان منفيو " مدرسة " الرها قد جمعوا شملهم المشتت فيها . فالمدينة البيزنطية الوحيدة ذات اللغة اليونانية - الأرامية ، والتي كانت " الهلينية " فيها قوية ناشطة ، هي حرّان على مسافة 38 كم إلى الجنوب والجنوب الشرقي من الرها.
ويورد بروكوب Procope خبراً يروي في الواقع أن کسرى أنو شروان أعفى سكان حرّان في 544 من دفع الضريبة لأنهم ظلوا على الدين القديم . هذا ، ونظراً لأن " مدرسة " حران لم تهبط من السماء بقدرة قادر في القرن الأول الهجري ، لا يمكننا استبعاد فرضية أن منفيّي أثينا ، المدينة التي كانت آخر موقع للمقاومة اليونانية في مواجهة المسيحية ، قد وجدوا ملجأ وطاب لهم المقام في تلك المنطقة البيزنطية في الحد الأقصى للحدود مع إيران ، جنبا إلى جنب مع أفلاطونيين كانوا سابقاً قد قصدوا " مدرسة " أمونيوس وهذا قد يفسر لنا قيام المؤلفين المسيحيين المرّة تلو المرة بالسخرية دون هوادة من " مدرسة الهلينيين " في حرّان ، وهي المنافسة بشكل ما لـ " مدرسة الفرس " المجاورة ، والمستقرة في نصيبين ، فأولاهما وثنية عقلانية ، فلسفية ، وثانيتهما نسطورية ، كهنوتية ، لاهوتية ، لكنهما معاً تحت حماية " ملك الملوك " .
وإليه أهدى حينذاك بريسيان Priscien ، صديق سمبليكيوس ، تأليفه المعنون « Solutiones ».
إبان الحكم الأموي - وهنا تكتسب شهادتا المسعودي وابن أبي أصيبعة قيمتهما الفائقة - كان المنهلان الفكريان لانتقال علوم اليونان إلى العالم العربي سوريين : أنطاكية المسيحية وهي يونانية - سريانية ، وحرّان الوثينة وهي يونانية - عربية - سريانية . وحران هي التي قدّر لها أن تصبح عاصمة الامبراطورية مع صعود مروان بن محمد إلى سدة الخلافة ( 127 هـ / 744 م ) . وبطبيعة الحال فقد تمركز المسيحيون المتخرجون من "مدرسة " الاسكندرية في أنطاكية وفي أديرة التخوم ومن هناك انطلقوا للسيطرة فكريا على حران.
ولدينا فقرة للفارابي حفظها لنا ابن أبي أصيبعة تشير إلى أنه لم يعد يوجد في أنطاكية ، مع بدء الخلافة العباسية ، إلا معلم وحيد وبعهدته تلميذان ، الأول من حرّان ، والثاني من مرو. والتلميذ الحراني الذي لم ينقل إلينا اسمه ما كان له أن يكون إلا مسيحياً ، والتلميذان اللذان علمهما بدوره غادرا آنذاك أنطاكية وقصدا بغداد ، حيث أصبح الأول أسقفاً بينما ظل الثاني راهباً . فهذه الشهادة من الفارابي تثبت وجود حركة فكرية أكيدة فيما بين حران وأنطاكية ، لكن هذه الحركة كانت على أيدي المسيحين دون سواهم ، لرغبة هؤلاء في أن يضموا إلى فلك أنطاكية اليعقوبي مدينة حران التي كانت قد أصبحت ضمن محيط التأثير النسطوري والتي كانت ماتزال، علاوة على ذلك ، وثنية في غالبيتها . وفي مطلع القرن التاسع ، كان أسقف الحي المسيحي في المدينة "ملكيا " آنذاك ، وهو تيودور أبو قرة ، أول من ترجم أرسطو إلى اللغة العربية.
ضمن هذه الشروط يجب علينا أن نأخذ شهادة المسعودي حول انتقال علوم اليونان من أنطاكية إلى حرّان بتحفظ كبير لأنها جاءته من مصدر مسيحي الانتماء ، حريص كل الحرص على أن " يجيّر " لصالحه ، في وجة المدرسة المنافسة ، مدرسة " الصابئة الروم " ، أي الأفلاطونيين الأقحاح، مصداقية الدمغة الاسكندرانية لتراثها الفكري . وهكذا فلم يحصل انتقال ، بالمعنى الدقيق للكلمة ، لمؤسسة أمونيوس القديمة ، تلك التي كان سمبليكيوس قد تلقى فيها محاضرات في مطلع القرن السادس ، ولم يتم هذا الانتقال إلى أنطاكية أو إلى حرّان ، في خلافة عمر الثاني ، لا ولا قبل أو بعد تلك الخلافة القضية وما فيها أن طرفين يتجاذبان المطالبة بالتراث نفسه ، فمن طرف أنطاكية ومالها بالنسبة لمسيحيي حرّان من دور الوسيط ، ومن طرف ، وبخط مستقيم وأقدم عهداً ، أولئك الذين أطلق العرب عليهم اسم " صابئة الروم " .
وهذا ما يمكن أن يفسر كيف وضع أولئك " الصابئة " فوق عتبة " مدرستهم " نقشاً ذا مضمون فلسفي ، كما كانت الحال بالنسبة لأكاديمية أفلاطون ، وكما كان يؤمن به عرف هليني رجع إليه تحديدا - ولم يكن هذا على سبيل المصادفة - أفلاطونيو الاسكندرية.
لا ولا كانت مصادفة أن نص النقش مقتبس من كتاب " السيبياد"، الجزء الأول ، وهو الذي كان أفلاطونيو الاسكندرية ، من القرن الثاني وحتى القرن السادس ، يعتبرونه باب الولوج إلى دراسة أفلاطون والفلسفة. وتلك الحكمة التي تشف عن الشعار الدلفي تعود إلى الظهور في " التنبيه " مشروحة موسّعة بالاستعانة بمبدأ
شاهداه اليونانيان يوردهما في سياق مماثل أفلاطونيان من الاسكندرية: هرمياس وأولمبيودور. وهذا أيضاً ليس من باب المصادفة.
ويشبه أولمبيودور الـ " السيبياد " ببوابة فخمة محرسها السري الـ " بارمنيد Parménide" . وتلك هي الحال في حران . فالـ " السيبياد " عند المدخل ، وأما الـ " بارمنيد " فكان في الوسط . والحقيقة ، وفق شهادة الكندي ، وهي الشهادة التي استعارها ابن النديم من السرخسي ، فإن لب الفكر الميتافيزيقي لدى " صابئة
حران " كان يتمثل في قولهم : " للعالم علة لم يزل ، واحد لا يتكاثر ولا يلحقه صفة شيء من المعلولات."
أما كولسن فلم يقدم تعليقاً على هذا القول ، لكنه في الفصل الذي خصصه للحديث عن الماهية الأسمى للصابئة أورد من بين عدة استشهادات مقتبسة من الأفلاطونية القديمة قولا من " Asclepius اسكليبيوس " حول"الكل واحد، والواحد كل" ، وهذا القول هو ما حدا بسكوت Scott كي يدرج عبارة الكندي من ضمن الـ Hermetica. وأما هيارب فكان أكثر دقة عندما قارب بين هذه العبارة وبين " لاهوت" أرسطو ، أي أفلوطين. وفي رأيي فإن هذه الجملة البالغة التكثيف مرتبطة بأصفى ما أثر عن الأفلوطينيين اللاحقين عن التشكل التلقائي للاهوت السلبي . وإذا ما تفحصنا عن قرب مبنى وفكر تلك العبارة ، ارتسم في خلفية البحث اسم لا يخيب ، ألا وهو اسم بروكلس : بمفهوم الأحد باعتباره المسبب (علة ، airi) ، وتنزه المسبب عن الصفة ، والتصاقها بالسبب (معلول ، ovution) تبعاً لديا لكتيك الواحد والكثرة ( يتكاثر ،)، والتعريف بالأحد واحداً مفرداً (واحد ، Movis ). وهناك علاوة على ذلك نعت المسبب باعتباره ( لم يزل ) ، وتقديرها " لم يزل موجوداً " ، فهذا يذكر بصيغة فيدر ouro) Phèdre) التي استخدمها بروكلس في كتابيه "العناصر" و" علم الإلهيات. "
ولا يشهد خبر الكندي ذاك على مجرد أن فلسفة أولئك "الصابئة " المزعومين في حران مصدرها من الأفلاطونية الحديثة وتحديداً لأفضل ما وصلت إليه من تصورات ، وإنما يكشف لنا علاوة على ذلك الوجه الثاني في تلك الفلسفة . فهولاء المفكرون الحرانيون كان لهم أعيادهم العامة ، وصلواتهم ، وصيامهم ، ونظامهم الغذائي. ومثل هذه الشعائر ، الصعبة في أثينا بروكلس و داماسكيوس ، وفي اسكندرية أمونيوس وأولمبيودور صعوبتها في بغداد العباسيين أيضاً حيث استقر فيما بعد ثابت بن قرة ، كان يمكن بكل حرية القيام بها في حرّان ، في وسط اجتماعي كانت وثنيته ماتزال على قيد الحياة ، على مقربة من معبد محدد ، معبد الإله " قمر " ، وهو المعبد الذي لم يتوقف نشاطه أبدا منذ العهد الحوري .
وكان هؤلاء الأفلاطونيون الذين يعيشون حياة جماعية داخل " مدرستهم " يستطيعون الانصراف على مهل إلى ممارساتهم في تحضير الآلهة مثلما كانت تقضي به فلسفتهم . وكان خطأ منظور المؤلفين العرب - وعلى خطاهم ، الاستشراق الغربي - الخلط تحت العنوان " الصابئي " بين شعائر هؤلاء الفلاسفة وبين شعائر أبناء مدينتهم الذين كانوا يقصدون المعابد ، فاختلطت عقيدة هؤلاء بديانة أولئك . أما الكاتبان الوحيدان اللذان تجنبا هذا الخلط فكان أحدهما فيلسوفاً والثاني سائحاً : الكندي والمسعودي ، وكلاهما من بلاد ما بين النهرين . وكانت معلومات الفيلسوف مستقاة من مصدر ثقة ، لأن مقدمها وتلميذه في الوقت نفسه ، السرخسي ، كان يتكاتب مع ثابت بن قرة . وأما معلومات السائح فليس ما يضاهيها قيمة ، إذ أنها رجع الصدى المباشر لما كانت ماتزال عليه في أواسط القرن الرابع للهجرة " مدرسة " حران الأفلاطونية. 


3- المصادر التاريخية السابقة للنقوش التي نقلها المسعودي واستبعاد الخلط مع المذهب الصابئي الحراني: 

قبل ثمانية قرون من استفسار المسعودي عن مدلول النقش السرياني المنقوش على مدقة مدخل صابئة الروم في حران ، كانت الحكمة الجوهرية في : " السيبياد " متشعبة الانتشار في مصر الغنوصيين ، والسحرة ، والخيميائيين . وقد تم تطبيق أنثربولوجيا: " السيبياد " تطبيقاً ملحوظاً في كتاب " ألوجين Allogene". فنجد في النصين شخصيات تشغل مواقع متماثلة تماماً . فهناك يكون " الطفل الملازم لمربيه " هو السيبياد ويدعوه سقراط – أوقل إن شئت : سقراط نفسه يدعوه جنّيّه - كي يكتشف "عين الذات" ما هو فيه حقا وصدقاً خيره الخاص ، أي طبيعة عقله الإلهية . وهنا ، نجد " يويل Iouel " ، العذراء الذكرية، مربية " ألوجين " الذي هو صورة الطفل الغنوصي المطلق والذي سوف يصبح بدوره مربياً لابنه " ميسو( Messos ) . وبغية أن تبين له سير أنماط الإدراك العقلي، تشرح ضرورة أن يتم خروجها نحو المدركات، وتعلن له أنه سوف يكون شاهدا في نفسه على مرورها ، قبل عودتها صعداً نحو الثالوث الأولي ، حتى لو كان لزاما عليه أن ينتظر في سبيل ذلك " مائة سنة ". وكما هي الحال في " أغنوصت Eugnoste"، التي هي مع ذلك ذات سياق مختلف ، تستخدم فكرة التقدم في وصف الشرط اللازم لكل بحث في معرفة الجواهر ، وضمنها ما يتصل بذاك الذي يعلم أن ما يدرك في داخله الجواهر هو إلهي الطبيعة والمصدر.
وتقول يويل لألوجين هذه العبارة التي يمكن إعادة تركيب نصها كالتالي :
" إذا ما بحثت بحثاً كاملاً فإنك ستتعرف على الإله الكامن فيك ، وحينها تتعرف على ذاتك نفسها ( باعتبارك ) ذاك الذي يصدر عن الله الأزلي الوجود حقا".
ولابأس علينا إذا ما أعدنا صياغة السطر 19، الذي هو ذروة العبارة . فإذا جعلنا مرتكزنا الكلمة المحورية لدى المرقصيين:
"أنا ابنٌ لأبٍ كان موجوداً قبل كل الأشياء، وأنا، الابن، ما زلتُ موجوداً في ذلك الأب الأزلي."
والتي هي صيغة طقوسية مصدرها عهد فالنتيان ، قد يمكننا سد ثغرة السطر /19/ كما يلي: « [Pëet [šoop hm » إلى آخر السطر /20/ . وهذا ما يكون معناه : " وحينها تتعرف على ذاتك نفسها ( باعتبارك ) ذاك الذي هو [في ] الله .. إلى آخر القول.
ولكن الفكرة المتضمنة في الكلمة المحورية تلك ، رغم تقارب المفردات ، لا تتوافق تمام التوافق مع فكرة النص الوارد في "ألوجين " ، ولا يمكنها بالتالي أن تسعفنا بكثير أوقليل في بحثنا هذا.
وأما إعادة الصياغة كما تفترضه الترجمة الأميركية « as one who exists with »، رغم أنها قد تبدو مقبولة ، فتظل برهاناً على حشو زائد ، هو في جميع الأحوال دون أي تسويغ. نتيجة لذلك ، فإعادة الصياغة المقترحة أعلاه هي الوحيدة التي يمكن اعتمادها . ولدينا شاهدان يعللان قبول هذا لاستنتاج : نص"مخطوطة بروس" وأفلوطين . ففي ترتيل صيغ بجمل مترادفة متناوبة ، نرى يسوع السماوي في : " مخطوطة بروس " الذي اسمه "مولى كل شيء "، يتوجه بالخطاب إلى جواهر بلاطه الإلهي ، الذين هم الصور الملائكية للعقول الغنوصية ، ويقول لهم :
" سوف تصبحون آلهة ، وتشهدون بأنكم تصدرون عن الله ( ntetnhenebol hm noute ) ، وترونه هو الله في ذواتكم. فكما هي الحال في " ألوجين " ، فرؤية الذات الشخصية على أنها الله هي الشهادة بالمصدر الإلهي لوظيفة المعرفة الحدسية. وهذا ما هو وارد على حد سواء في القول / 394 / من Sextus ، والذي نجد ترجمته القبطية على وجه التحديد في المخطوطات المسماة بـ "مخطوطات نجع حمادي" ، وفق صياغة بعيدة كل البعد عن النص الموحد الذي توصل إليه شادفيك Chadwick ، لكنه قام فيه رغم كل شيء بالمراجعة نفسها الواردة في الشاهدين اللاتيني والسرياني. بناء على ذلك ،فالصياغة الصحيحة لـ " القول " ، أي الصياغة غير المقولبة مسيحيا والمنسجمة مع الأجيال اللاحقة لـ " السيبياد " هي تلك التي نجدها في:[263 X° S.] " Patmiensis " : "إن العقل الكائن فيك هو إله. اعرف ذاتك". ويكون الجواب على التساؤل حول طبيعة الله هو تعرف المرء على ما هو في ذاته نفسها الكيان المفكر.
إن رؤية الإنسان لنفسه كإله هي شهادة منتهاها ، حسب "ألوجين " ، إدراك الصيغ العقلية للقدرة الإلهية : الغبطة والديمومة ، والوجود : " أعرف من هو هكذا في ذاتي مثلما أعرف القدرة الثالوثية وتجلي لانهايتها ". ومثل هذا الإدراك للذات الشخصية هو الرؤية المباشرة له تعالى : " رأيت [ـه ] ، وهي حقيقة يكون إنكارها فور تأكيدها : " إذا ماعرفه أحد ما المعرفة الكاملة ، فيجب أن يبدو كما لو لم يكن يعرفه. ويمكننا أن نربط برؤية الذات كإله ، وفق تأكيد " ألوجين " و " Sextus " ، المبدأ الذي قال به بروكلس في"De Providentia": "إذا نظرت إلى ذاتك الحقيقية بصدق، سترتعد هيبةً."
ويشير فيسترلنك westerlink إلى شهادة يونانية على هذه الصيغة في مقطع ظل محرفا حتى حينه ، وهو وارد في كتاب بروكلس : "In Alcibiadem". وتقول الفقرة : "ادخل معبدك الداخلي بخشوع" . فالأمر الموجه بالولوج إلى المعبد الداخلي لا يضيف كثيراً إلى الشعار الدلفي . وأما العبرة التي تقدمها لاتينية غليوم دوموربك guillaume de Moerbeke فتكتسي ، في رأيي ، معنى أقوى بكثير من أن يكون الأمر مجرد دعوة لدخول المرء إلى ذاته ، وهذا دون شك على ارتباط بتجانس صوتي ميسر.
فالقول كما نقله دومينيكاني العصر الوسيط له معنى واضح متصل بخط مستقيم مع " ألوجين " ، و "Sextus " و " تعالى الله " في النقش الحراني : فعندما ترى نفسك بنفسك ، اخشع ، كن على خشوع ديني ، بمعنى : لأنك إنما ترى الله ذاته.
وفي الفصل الذي كرسه أفلوطين للنتائج الأخلاقية الناجمة عن العقيدة الغنوصية ، يقرّع الغنوصيين تقريعاً عنيفاً غير معهود لديه لأنهم يحطمون كل حياة أخلاقية : " دون توفر الفضيلة الحقة ، لا يكون الله سوى كلمة تقال. وعقيدتهم بالتالي أدهى من عقيدة الأبيقوريين. وللبرهنة على ذلك يعرض أفلوطين صيغة فيها
الخطاب البرنامج الكامل لخصومه :
"إن الذين عرفوا أنفسهم بالفعل هم من طبيعة إلهية."
وهذه فعليا صيغة " ألوجين " و " مخطوطة بروس " المرتبطة بالمغزى الكامن في " السيبياد " . على أن أفلوطين يأخذ على عاتقه تبيان النتيجة المباشرة لمثل هذه الصيغة لدى من يحاربهم ألا وهي نفي الفضائل ،
ومن بينها الفضيلتان المحددتان لخير الإنسان : الاعتدال والعدالة. إن الأمور تجري جميعاً ، في نظر أفلوطين ، كما لو أن الغنوصيين ، باستنادهم إلى المبدأ النهائي في " السيبياد " ، كانوا يعتبرون ذلك المبدأ نقطة انطلاق مطلقة ، ومن ثم فهم يهملون الخطاب الأولي الذي هو في صلب تحديد الخير بالعدالة والاعتدال. وهكذا فإن أفلوطين يعاود في شرحه وضع الأمور في نصابها داعياً خصومه إلى إعادة قراءة " السيبياد " قراءة صحيحة، أي أن تكون القراءة من البداية: فتعريف الإنسان هو بادىء ذي بدء تعريف خيره ، إذن ، إقامة الفضائل التي تصل ذروتها في الاعتدال. وليس بالإمكان ، حسب رأيه ، التوصل إلى اكتشاف المنشأ الإلهي داخل الذات للتفكير والمعرفة ، إذا لم يتم مسبقا التعرف على المقولات الأخلاقية المؤدية إلى معرفة الذات . إن الغنوصيين ، إذا أمكن القول ، كانوا يمشون بالمقلوب ورؤوسهم إلى الأسفل . وكان أفلوطين في غاية السعادة لأنه ، مجدداً ، يبرهن على عدم أمانتهم تجاه أفلاطون.
لقد حوت مخطوطات القاهرة " أقوال" Sextus " وتعليمات سيلفان" Silvain " وقطعة من " جمهورية "أفلاطون. وهذا برهان على أن النتائج التي استخلصها أفلوطين من الصيغة - البرنامج لدى الغنوصيين إنما تلبي نية مبيتة. وعندما يتهم أفلوطين الغنوصيين بأنهم لا يملكون مبادىء أخلاقية مكتوبة ، وأنهم " يفبركون " لاهوتاً لا أساس أخلاقياً له ، فهو إنما يمارس الجدل الكلامي . ولماذا يتوجب على الغنوصيين بلورة وثيقة أخلاقية مكتوبة، وفي حوزتهم الرسائل الأخلاقية التي كان يستخدمها أفلاطونيو عصرهم ؟
وهكذا يؤكد سيلفانوس ، بقوة ، الأسبقية المطلقة للجزء العقلاني من النفس ، والذي هو العنصر الإلهي الكامن في ذواتنا ؛ إنه فينا عنصر الله ذاته والأحد. على أن الوثيقة نفسها تؤكد على حد سواء ، وبالقوة عينها ، ضرورة الـ " paideia " والخطاب الأخلاقي ، اللذين يسعيان إلى تأمين المراقبة والإلغاء التدريجي للجانب " الحيواني" فينا ، أي الأهواء التي تتعارض مع التعرف على ما هو إلهي فينا . والمثل المضروب عن الحيوان
منوي الأشكال ، وعن الأسد والإنسان ، ذلك المثل المأخوذ من " الجمهورية " والذي نجد إعادة صياغة قبطية له في "المخطوطة السادسة من مكتبة نجع حمادي"، يمضي في الاتجاه نفسه . فهذا النص دعوة لنهج الحياة وفق الفلسفة ، ذلك النهج الذي قوامه التعرف فيما وراء الأقسام الحيوانية لدى الإنسان على حقيقة طبيعته ، الداخلية وليس الخارجية ، التي لا تعود تحت هيمنة اللذة والغضب وإنما تتوحد وفق الخير الخاص للعقل ،أي الله. إن انتقال مثل هذا النص على حاله في مجموعة كتابات غنوصية يبرهن أنهم كانوا يدركون أقواله على أنها غنوصية حقة ، ليس بسبب تصنيف الطبائع المتوفر فيه فقط ، وإنما أيضاً لأنها تقوي بصيغة العهد القديم الأدبية المتينة طروحات" السيبياد ".
ولدينا وثيقة ثالثة عرفناها هذه المرة بفضل العرف غير المباشر وهي تؤكد أن الغنوصيين كانوا يقرأون " السيبياد " قراءة صحيحة وما كانوا ، على عكس زعم أفلوطين ، قد نحوا عن منظورهم كل خطاب أخلاقي . ونحن هنا بصدد مقطع من :
رسالة إلى "تيوفرست Théophraste " التي كتبها منعم Monoim العربي ، وأورد ذكرها مؤلف "Elenchos ":
" بعد توقفك عن البحث عن الله ، والخليقة ، وغيرها من الأمور المشابهة ، ابحث عن نفسك أنت نفسك بدءا من نفسك ، وتعلم من الذي فيك يحوز حيازة مطلقة كل شيء والذي يقول :
إلهـ " ي " ، عقلـ " ي " ، فكر " ي " ، نفســـ " ي " ، جسم " ي "، وتعلم من أين يتأتى أن يتقلب المرء بين الحزن والفرح ، وأنه يحب ويبغض ، ويظل ساهرا دون إرادته ، وينام دون إرادته ، وينساق مع الغضب دون إرادته ، ومع الصداقة دون إرادته . فإذا ماسعيت إلى معاينة هذه الأمور بكل تدقيق ، سوف تجد نفسك بنفسك ذاتها في نفسك ذاتها ، واحدا ومتكاثراً ، على صورة هذا الحرف المكتوب ، وتجد المخرج انطلاقاً من ذاتك نفسها ".
وإما كتب منعم ما كتب فإنه لم يقل سوى ما يقوله سيلفانوس. وهذه السلسلة : إلهـ " ي " ، عقلــ " ي " ، فكر " ي "، نفس " ي " ، جسم " ي " ، الملحق بها مباشرة تعداد مختلف ما يدخل ضمن المفردة الأخيرة من السلسلة ، ما هي إلا إعادة إجمالية لمضمون "السيبياد " بأكمله ، لكن باتجاه معكوس ، رجوعاً من ختام النص إلى بدايته ، أي من الـ : "عين الذات" ، التي تعرف الإنسان في ذاته ، حتى الـ : " عين الشيء " التي تقتصر على وصف ما يخصه. يمكننا إذن أن نعتبر " السيبياد " بحق وصدق النص الأهم الذي استعانت به الحركة الغنوصية. بل يوجد شاهد على استخدام الغنوصيين للاستعارة الختامية المتعلقة بالعين والمرآة . ففي المقدمة ، وجواباً على السؤال المطروح ، ألا وهو : لماذا يحب سقراط السيبياد ويصرح بأنه يحتل في نفسه منزلة لامثيل لها ؟ يشرع الحوار الأفلاطوني بعرض مقارنة مابين العين والنفس . فكما أن عين الآخر هي مرآة جسم " ي " ، فنفس الآخر هي مرآة نفسي ؛ ومعرفة الذات تتم بوساطة ذات الآخر على أن البؤبؤ هو الجزء الذي جعل في العين مستقر وظيفة الإبصار ، وكذا الحال في النفس التي مستقر وظيفة المعرفة فيها هو العقل ، مرآة الله فينا . نتيجة لذلك ، وبسبب هذه السمة الإلهية للجزء المفكر من النفس ، فإن معرفة المرء لذاته تؤول إلى معرفة كلية العنصر الإلهي الكامن في ذاته نفسها. وفي : " رسالة أغنوصت " ، التي بينا أنهـا نـص غنوصي مخصص للفلاسفة ، يبادر المؤلف إلى تطبيق الاستعارة الأفلاطونية على علم الإلهيات ويصف النشاط التصوري لـ " الأب " الأول الذي لا مبدأ له ( Propator anakhos ) بأنه " ذاك الذي يرى نفسه بنفسه كما لو في مرآة." وهذا القول الأخير نجده مجدداً في " ألسيبياد": "كما في مرآة". وحسب مؤلف " أغنوصت " ، فإذا كان الله مرآة النفس ، فما ذاك إلا لأنه بادىء ذي بدء مرآة نفسه ذاتها . فموضوع وذات الرؤية هما أمر واحد فيه.
هذا وقد استعان الغنوصيون استعانة غير مباشرة بنصين أفلاطونيين آخرين : بارمنيد والمثل . وكان بيير هادو Pierre Hadot قد لاحظ منذ فترة بعيدة الرابطة القائمة بين الحجة السلبية القائمة في :“ إنجيل يوحنا المنحول -Apocryphon de Jean (A jn)- وبين شروح الفرضية الأولى في :
" بارمنيد " وإننا، من جانبنا ، محصنا بما فيه الكفاية تفصيلاً وتوضيحاً ، صحة ملاحظاته فيما يتعلق بـ [انجيل يوحنا المنحول ] ، و" أغنوصت"، و"ألوجين "، فلا حاجة للرجوع إلى هذا في بحثنا الحالي . ففي النصوص الثلاثة تلك ، تبدو الحجة من التقارب بحيث تؤكد صدورها عن شاهد بعينه ، أو عن نسيج مفرد لا يتغير ، هو نوع من موجز للفلسفة اليونانية انتقل بصيغته المستقلة أو بعد دمجه دمجاً متقنا في نص منحول.
أما الحالة الثانية التي استوقفتني وأمعنت فيها النظر فحضرت عندما أمسكت طرف الخيط في :
« In Somnium Scipionis » من تأليف ماكروب Macrobe ، وذاك مع استعراض المقولة الأولى في إنجيل يوحنا المنحول ، أي التأملات المتصلة بالنفس العظمية ، وانتبهت أن قائمة الشهوات الشيطانية التي تختتم المقولة الأولى نفسها كانت قائمة ذات اتجاه رواقي راسخ ، فأصبح بالإمكان مذ ذاك تعقب الرابطة بين الأفلاطونية ، والعناصر الفلسفية في إنجيل يوحنا المنحول ، و " ألوجين " من جهة ، والنصوص الزرادشتية المنحولة والعرف الفلسفي اليوناني من جهة ثانية .
ومن أحد هذه العناصر الأخيرة ، المذكورة بالاسم الصريح في انجيل يوحنا مصدراً مباشراً لمجموع المقولات ، كما تنقلت في مصر وسوريا إبان العهد الهليني والروماني ، وكما وضعت تحت سلطة مجوس إيران الغابرة حسب مشيئة العرف اليوناني الذي ينسبه بلوتارك إلى المنشقين الأفلاطونيين في القرن الرابع قبل الميلاد ، كان الغنوصيون ، مستخدمو الهلينينة معاداة منهم لليهودية ، قد استقوا مواد ملخصهم الخاص ونحن من جانبنا أصبحنا نعلم بالعادة العلمية وحدة هذه العناصر أيديولوجيا ونعاود تشكيلها وفق منشئها البدئي . وأما بالنسبة لمستخدمي تلك العناصر ، فكانت لديهم مجهولة الانتماء وكانت مصادرها الغابرة ما تزال غير محددة المعالم . وحسب شهادة جوشيم Zosime ، فاللعب بكلمتي phos/phos ، المرتبط بالتأملات في اسم آدم ، والذي نعود فنجده في مقطع من مقاطع إنجيل يوحنا ، هو تحديدا المقطع الذي يسبق المقولة المأخوذة من : "کتاب زرادشت"، وذاك التلاعب يعود في مصدره إلى : “ Nicothée “، أي إلى وثيقة مكتوبة مهرت باسمه. هذا ، ونظرا لأن بورفير يشير إلى أن الغنوصيين المترددين على " مدرسة " أفلوطين كان بحوزتهم مثل هذه الوثيقة ، وأنهم من طرف آخر ، كان على قائمة الوثائق التي يقرأونها أيضاً كتاب عن " زرادشت" ، فليس ما يمنع الربط بين هذين النصين المنحولين ، باعتبارهما يشكلان معا كشفا وحيدا استخدمه الغنوصيون كـ " حوض " فلسفي جامع .
ولم يكن الغنوصيون هم وحدهم من متح من معين " حوض" التخزين ذاك : بما فيه ما ننسبه في أيامنا هذه إلى " السيبياد " ، و " المثل " ، و " بارمنيد " . فها هم خيميائيون وسحرة يدلون بدلوهم ويستقون من تلك الأفلاطونية التي انتقلت مابين ظهراني " الكلدان " . وفي مقطع من نص : رسالة إلى تيزوبي " Théosébie " التي استشهد بها الفيلسوف أولمبيودور ، ينصح جوشيم الذي سبق ذكره المتكاتبة معه أن : " تريح جسدها وتهدىء أهواءها " ، ثم ها هو يقدم إليها المبدأ الأثير إلى نفوس الغنوصيين ، عندما تتعرفين على نفسك بنفسك ، تتعرفين حينذاك أيضاً على الواحد الأحد ، الله حقا وصدقا. ويبين لنا مقطع مطابق لـ " الكتاب الأول حول الحساب الأخير " أن المبدأ الأفلاطوني ، بالطريقة نفسها لدى الغنوصيين ، لم يكن له من معنى إلا حينما يتحقق بالزهد لجم الأهواء والرغبة ، والمتعة ، والغضب ، والحزن. وإذا كان جوشيم قد أطلق عليها اسم " أقدار الموت " ، وإذا كان عددها بعدد الكواكب ، كما هو الحال في إنجيل يوحنا المنحول ، ففي هذا تأكيد إضافي أننا بصدد الاعتماد على المصدر الزرادشتي المنحول ذاته ، المعروف لدى الغنوصيين. 

 

4- التعرف النوعي والدقيق على صابئة القرآن: 

لقد تحدثنا عن حرّان ثم عن نجع حمادي بصدد " السيبياد " أفلاطون ، ولكننا لا نبتغي من وراء ذلك إظهار علاقة ما ، تاريخية كانت أو حتى أيديولوجية ، فيما بين صابئة حران والغنوصيين. فهاتان الفئتان غريبتان كليا إحداهما عن الأخرى . وأما التطرق إلى " غنوصية الحرانيين " ، كما فعل هيارب ، فهو محض استخدام خادع للمفردات واضح للعيان . فالأمر الوحيد المشترك بين الجماعتين هو استخدامهما لأفلاطون على محوري كتابيه " السيبياد" و" بارمنيد " .
لكن يصعب علينا ، حتى بصدد هذا الأمر ، القبول بوجود وجهة نظر موحدة لديهما معاً.
فالحرانيون ، ونعني بهذه الصفة علماء حران ، كانوا أفلاطونيين بالمعنى الجامعي للكلمة . وكان أفلاطون موضوع دراستهم ومحور نشاط البحوث في مدرستهم ، التي كانت تمارس عملها كما جميع المدارس الفلسفية . فكان لها شعائرها ومناهجها .
وكانت أعمالها تقوم على التفسير والقراءة ، أي على الترجمات والشروح المرافقة . ولها في هذا المجال دور هائل ، إذ ظلت على وثنيتها حتى النهاية ، وهذا ما أهلها ، بالإضافة إلى ارتباطها بثلاث لغات كبرى ذات إرث حضاري ، كي تكون حلقة في سلسلة نقل علوم الأقدمين إلى الإسلام الوسيطي .
بالمقابل ، فإن الغنوصيين الذين وصلت إلينا مصادرهم المباشرة ما كانوا من محترفي الفلسفة ، بل كانوا يستعينون بالفلاسفة، وبأفلاطون على وجه الخصوص . مع هذا، فإستخدامهم لأفلاطون لم يكن مباشرا . إذ الأفلاطونية التي يضعونها طوع أيديهم مصدرها مجموعة نصوص ، محدودة العدد ومعروضة في صيغة الحكم والأمثال ، فهي والحق يقال أفلاطونية ملخصات ، أي مجموعة آراء مقولبة ؛ وهم إنما اطلعوا عليها بواسطة الكلدان ، أي أنها كانت كتابات فلكية - فلسفية - إشراقية منسوبة إلى زرادشت وغيره من المجوس . كان الغنوصيون في واجهة النشاط الفكري للمسيحية ، ومن هنا الأهمية الكبرى للدور التاريخي الذي قاموا به . ولم يقتصر دورهم الهام ذاك على المسيحية ذاتها فحسب - وهذا موضوع بحث آخر مختلف - بل كان بادىء ذي بدء بالنسبة لجماعة الطرف المقابل ، أولئك الفلاسفة الذين ظلوا في معسكر الهلينية . وقد يبدو رد الفعل العقلاني على المقولة الغنوصية وكأنه شأن روماني استمر لفترة قصيرة وارتبط بشخصية أفلوطين ، غير أن الأفلاطونية الشرقية ، السورية في جوهرها أولاً، والوراثة لجمبليك من بعد ذلك ، كانت على قدر من الافتتان بالغنوصية ، ولو لم يكن ذلك إلا على سبيل تطعيم الخطاب الفلسفي ، ابتغاء زيادة التشويق والمصداقية فيه ، بدمغة من الإشراق والتجلي في " نبوءات كلدانية " ، وبطقوس مساعدة : استحضار الآلهة . وهذا السبيل هو الذي وقر للغنوصية أن تكون في صلب الأفلاطونية الحديثة.
وقامت بالدور نفسه في الإسلام أيضاً ، وهنا لا بد لنا من الرجوع إلى محاولة تحديد صابئة القرآن . فمن بين الفرق الدينية الأربع التي عرفها الرسول وأورد أسماءها ، يظل الصابئة الفرقة الوحيدة التي لا نعلم عنها شيئاً . لقد اختفى ، أو مُحي ، كل أثر لهم .
وفي زمن الهجرة ، كانوا غير معروفين بصفتهم الصابئية خارج حدود شبه الجزيرة العربية ، وحتى داخلها بالذات كان وجودهم في "المدينة " موضع شك كبير . وذاك أنهم يرد اسمهم مباشرة بعد اليهود في سورة " الحج "، بينما لا يرد ذكرهم إلا في المرتبة الثالثة والأخيرة في سورة " البقرة " بعد المسيحيين ، كما لو أن الرحيل من مكة إلى المدينة غيّب أطيافهم فلم يعد لهم وجود في الخريطة الدينية لشبه الجزيرة العربية . ولم يكن علماء الحديث والتفسير يعلمون عنهم أكثر مما نعلم . لكن اسمهم كان واردا في القرآن ، واليقين راسخ في صحة " النص القرآني " الذي لا يأتيه الباطل ، فلا يمكن ورود هذا الاسم دون أن يكون هناك من ينطبق عليهم ، ولذلك فإنه أطلق " على " ، ثم طالبت به جماعات لا علاقة لها " بالجاهلية " العربية تاريخيا أو اجتماعياً : كمندائيي المستنقعات ، ووثنيي حران ، إلخ .
ولا يظل بين أيدينا بالتالي لتحديد صابئة القرآن غير ما يقوله القرآن نفسه . وما يقوله يشمل أمرين اثنين : فالصابئة بحوزتهم " كتابات مقدسة " ولهم اسم يعرفون به . وتصنفهم سورة " المائدة " صراحة بين " أهل الكتاب. ويقتضي هذا أنه كان لديهم آنذاك مثل اليهود والمسيحيين ، كتبهم الخاصة بهم ، التي ينتسبون إليها ،
وهم من حفظتها ومستخدميها . تلك " الكتب " كانت متمايزة كل التمايز عن تلك التي لـ " الذين هادوا " من أتباع موسى ، وعن تلك التي لـ " النصارى " من أتباع الناصري . ونظرا للموقع المتوسط الذي يشغله الصابئة بين اليهود والمسيحيين في سورتي " البقرة " و المائدة " فلا بد أن تلك " الكتب " كانت ذات عناصر مشتركة مع هؤلاء وأولئك . ولا يمكن أن يكون أصحاب مثل تلك " الكتب " آنذاك غير غنوصيين بالمعنى الضيق للكلمة ، وهم فرع عربي مكي لتيار النسخ المقدس الذي دوّن باللغات اليونانية ، والسريانية ، والقبطية ، مجموعات النصوص التي شهدت عليها الدراسات المسيحية القديمة للملل والنحل ، أو التي تم اكتشافها في تاريخ حديث مؤخراً.
وقد أطلق القرآن على هذه الجماعة اسم " أهل الكتاب " ، فهل يسمح لنا هذا أن نمضي شوطاً أبعد في تحديدنا لهم ؟ بكل تأكيد لا بد لنا من التحفظ بعد فشل جميع محاولات التحديد انطلاقا من اشتقاق الاسم . فها هو هيارب وقد زيّن له ، بعد عشرات الافتراضات التي سبق تقديمها ، أن يضيف افتراضاً جديداً ، لم يكن أكثر توفيقاً من كل ما سبقه. أما الافتراض الذي سوف أعرضه الآن فمستنده اشتقاق معروف منذ فترة طويلة ، لكنه ظل دون تفسير صحيح فأهمله النقد.
في عام 1649 قدم المستشرق الإنكليزي الكبير ادوارد بوكوك Edward Pocock فرضية مفادها أن " صابئ " مشتقة من العبرية " صبا " بمعنى : جيش أو فرقة ، وأن الجمع باللغة العربية صابئة " و" صابئون " لا تدل على " عسكريين " أو "جنـود " وإنما على عبدة " صبا هسمايم " أي " جيش السماوات . وطبعاً فإن بوكوك وأولئك الذين من بعده شاركوه وجهة نظره ، وأخص منهم غوليوس Golius ، وهيد Hyde، ووالWahl ، وهيرش Hirsch ، وسومر Sommer ، ماكان بإمكانهم فهم مثل هذا الاشتقاق الذي يجعل من الصابئة "جُندُ السماءِ العابدون" إلا من خلال ماجاء في الأعراف العربية التي جمعها ميمون ، مصدر المعلومات الوحيد المتوفر آنذاك ، تلك الأعراف التي كانت تصف الصابئة بأنهم : وثنيون من عبدة الكواكب . وكان التعبير التوراتي الذي صدر عنه اسمهم يقوي لدى بوكوك اقتناعه بصحة ماجاء به میمون بصددهم ، وحقيقة عبادتهم للكواكب ، مشخصة وروحانية.
وكان من الصعب على بوكوك تفادي مثل هذا الخطأ في التفسير في زمن كان من المتعذر فيه الوصول إلى المصادر التي استقى منها میمون معلوماته ، بل وكان الأمر صعباً حتى فيما بعد ، نظراً لغياب كل تاريخ نقدي للأعراف المتحدثة عن الصابئة . ومثل هذا التاريخ النقدي لم يبدأ ، في واقع الأمر ، إلا مع هيارب ، منذ قرابة خمسة عشر عاماً !
إن الاشتقاق الذي اقترحه بوكوك لا غبار عليه فهو صحيح ، غير أن ما يستخلصه بوكوك منه مغلوط . فالمصدر التوراتي العبري، الذي تمثل كلمة " الصابئة " الكتابة المقابلة باللغة العربية ، لا يدل على أن تلك الجماعة هم من عبدة الكواكب ، وإنما يدل على أنهم من أتباع الجيوش السماوية أي " القوى أو الملائكة :
«opatia. δύναμεις. Ἄγγελο » كما في نصوص الترجمة السبعينية. ألا فإن إبيفان الذي عرف الغنوصيين التاريخيين دون وساطة أو نقل أشار إلى أنهم يطلق عليهم ، من بين أسماء أخرى اسم:Etpati(1)tlkoi. ولا يعني هذا الإسم أنهم "عسكريون"، بل هم الجنود stratiai أي أنهم أولئك الذين بين الله وبين هذا العالم السفلي يقومون بتأمين دخول الميلشيات السماوية من الملائكة أو القوى الخفية ، تأكيداً أكثر وأكثر على تعالي الله علوا مطلقا.
وهكذا فعبرانية نصوص الترجمة السبعينية التي انتقلت بالاسم الذي نقله إبيفان ، والتوراتية العبرية ، التي انتقلت بالاسم الذي نقله القرآن ، هما على ارتباط متين ويشكلان كلاً واحداً . والصابئة القرآنيون ، المقابل العربي للتسمية الإغريقية Stratiotiques ، ليسوا بالتالي إلا الغنوصيين بالمعنى الدقيق ، دون زيادة أو نقصان.
وها هنا تتوضح ثلاثة أمور جوهرية تشرح ظهور القرآن كتاباً وعقيدة . فالطابع الإلهي للنص الموحى به في حالة تجل ، وفكرة تعالي الله علوا مطلقاً ، ثم فكرة دمج يسوع بالروح القدس ، هي المقولات الثلاث لنضال الغنوصية التاريخية ، وهي التي تؤلف الإرث الغنوصي المباشر في القرآن . وحسب كل الدلالات الظاهرة ، فقد عرف الرسول قبل الدعوة أولئك الغنوصيين وعلم أن لديهم "كتبا"، وتم له ذلك في الوسط المكي وفي علاقاته مع عائلة خديجة بنت خويلد . ولهذا جاء تصنيفهم بحق ، داخل بيئتهم التي عاشوها دائما ، بين اليهود والمسيحيين ، بما هم من " أهل الكتاب" وكانوا كذلك في واقع الأمر ، وهو ما تشير إليه الأعراف عن الملل والنحل والكتابات المكتشفة.
وبين أيدينا شاهد آخر من إبيفان نفسه عن وجود نشاط غنوصي ، في نهاية القرن الرابع من حول الطائفة اليهودية – المسيحية في منطقة الكعبة ، ويدلنا هذا الشاهد على أرجحية الاستمرار التاريخي للغنوصية التاريخية السورية حتى شبه الجزيرة العربية ، حيث قدر للإسلام أن يولد فيما بعد .فأولئك الذين أطلق إبيفان عليهم اسم : " القادة Archontiques "، وهو شكل جديد لاسم " Stratiotique الجنود " الذي نحته هو نفسه لأداء ما يحتاجه برنامج دراساته الدينية المتنوعة ، كان لديهم السمات نفسها على صعيد الكتابات المقدسة والعقائد ، تماما مثل الغنوصيين الذين عرفهم عندما كان في مصر ، أو الذين اكتشفت نصوصهم في مصر. وعليه ، فهؤلاء الغنوصيون الذين سماهم " قادة " والذين تربطهم بغنوصيي مصر وشائج نوّه إليها هو نفسه ، كانوا نشطين في شبه الجزيرة العربية ، حوالي عام 370 : وهو يورد أماكن وجودهم ، وكتبهم ، ورؤساءهم ، والمحيط الذي يعيشون فيه ، وتنقلاتهم جيئة وذهاباً. والوسط الذي كانوا يعيشون داخله هو نفسه ماجاء محمد فيما بعد صدى له . وانتقالهم من الأطراف الشمالية لشبه الجزيرة العربية إلى مدن الجنوب التجارية لا بد أنه تأكد خلال القرن الخامس ، حين جعلت حميّة الرهبان والقساوسة حياتهم أمراً مستحيلاً في شرقي الأردن . وأما الاسم الذي أطلقه القرآن عليهم ، أعني" الصابئة " ، فما كان سوى النعت الذي كان يسمهم به رفاقهم السابقون في الدين من يهود فلسطين . وكان من الطبيعي بين المسيحيين الناطقين باليونانية أن يتحول اسمهم فيصبح :" Stratiotiques ، الجنود " ، وحتى لا يكون إبيفان من المقصرين في هذا المضمار ، حول الاسم وجعله Archontiques ، القادة ". وعلى غرار اسم المسيحيين : " النصارى " ، فقد تعربت الكلمة في لغة القرآن . " وكما أقول يكون . et cum dicto res " . 


مختصر مفيد

المواقف النقدية لكل من مرغليوث ، وبدرسان ، وهيارب بخصوص مقولات كولسن لا يمكن أن تؤدي إلى توضيح اللغز الصابئي توضيحاً متبصرا في النص القرآني وفي حران . ومن طرف ثان ، فإن ميرهوف بتناوله لنهاية الفلسفة اليونانية أدخل ذلك اللغز في سلسلة المؤسسات الفلسفية التي انتقلت من اليونان إلى العرب . لكن هذه المسائل تتطلب بؤرة جديدة للبحث النقدي القائم على الدقة التاريخية وعلى الفحص الجديد للأمور الجلية الثابتة . وأما النتائج الكبرى لتحقيقات ابن أبي أصيبعة والكندي ، ثم المسعودي على وجه التخصيص ، الوحيد من الكتاب الذي زار حران ونقل لنا نقشا آرامياً مأخوذاً من الجزء الأول من كتاب " السيبياد " كما تناقلته الأعراف ، فهي على الوجه التالي : البيت الذي زاره المسعودي والمحفور على مدقة بابه النقش المذكور كان " أكاديمية أفلاطونية " . وكانت هذه الأكاديمية من مبتداها إلى منتهاها هلينية ، أي وثنية  ( صابئية بالمعنى العريض للكلمة ) . وبفضل ثنائيتها اللغوية وموقفها الثقافي الإجتماعي ، كانت هذه الأكاديمية الوحيدة التي احتضنت منفيي أثينا بعد الاتفاق بين كسرى أنوشروان وجوستنيان وفيها دون سمبليكيوس شرحه لكتاب : « Enchiridion ». وكان المسعودي والكندي الكاتبين العربيين الوحيدين اللذين بدّدا بكل وضوح الخلط بين الديانة الحرانية و " الحكمة " في القراءات المدرسية لأفلاطون والتي قامت بدورها كما هو شأن المدارس اليونانية ، أي ، استناداً إلى " السيبياد " أولاً ، ومن ثم " بارمنيد " . أما النصوص القبطية الجديدة التي عثر عليها في " نجع حمادي " فتشهد على الأرجح بوجود النظام نفسه لدى الغنوصيين ، لكنه يقتصر هذه المرة على عرف كتابي عام معروض في موجز من الحكم المأخوذة من " السيبياد " و " المثل " ، و " بارمنيد " . وبقي اسم " الصابئة " في القرآن ، وهو الكتابة المعربة للقب الذي أطلقه يهود فلسطين على الغنوصيين بالمعنى الدقيق للكلمة، وعرفه اليونان صراحة عن طريق Epiphanius Constantiensis ( إبيفان ، وقد توفي في عام 403 ).

تعليقات