التسبيح الأول: التوحيد
باسم الحي العظيم، مُسبِّحٌ ربي بقلبٍ نقيّ.
هو الحي العظيم، البصير القدير العليم، العزيز الحكيم.
هو الأزليُّ القديم، الغريبُ عن أكوان النور، الغنيُّ عن أكوان النور.
هو القولُ والسمعُ والبصر، الشفاءُ والظفر، والقوةُ والثبات.
هو الحي العظيم، مسرَّة القلب، وغفران الخطايا.
مُسبِّحٌ ربي بقلبٍ نقيّ.
يا رب الأكوان جميعًا، مُسبَّحٌ أنت، مبارك، ممجَّد، معظَّم، موقَّر، قيُّوم، العظيمُ السامي.
ملكُ النور السامي، الحنَّانُ التوَّابُ الرؤوف الرحيم.
الحي العظيم، لا حدَّ لبهائه، ولا مدى لضيائه.
المنتشرةُ قوتُه، العظيمةُ قدرتُه.
هو العظيم الذي لا يُرى ولا يُحد، لا شريك له في سلطانه، ولا صاحب له في صولجانه.
من يتَّكل عليه فلن يخيب، ومن يسبِّح باسمه فلن يستريب، ومن يسأله فهو السميع المجيب.
ما كان لأنه ما كان، ولا يكون لأنه لا يكون.
خالدٌ فوق كل الأكوان، لا موت يدنو منه ولا بطلان.
وأمامه الملائكة ماثلون، بأضويتهم يتألقون، ساجدين خاشعين، شاكرين مسبِّحين.
هو الذي لا حدَّ له ولا كيل، ولا تدنو عتمةٌ لضوئه ولا ليل.
هو الجلال والإتقان، هو العدل والأمان، هو الرأفة والحنان.
الأول منذ الأزل، خالق كل شيء، ذو القوة التي ليس لها مثيل.
صانع كل شيء جميل، ربُّ أكوان النور جميعًا، الأسمى من الملائكة جميعًا، إلههم جميعًا.
هو النور الذي لا ظلمة فيه، الحي الذي لا موت فيه، والخير الذي لا شرَّ فيه.
هو الهادي دون غضب، اللذيذ الذي ما نضب، البهيُّ، الساكن في الشمال العلوي.
أصل النيِّرات جميعًا، وأبو الملائكة جميعًا، المقيم في ملكوته، العادل في جبروته.
أطلق الكاملين الصادقين، وطبع اسمه على أفواه المؤمنين، وباركهم ببركته أجمعين.
قدرته لا تُحصر في العد والحسبان، ولمعات تاجه تنطلق إلى كل مكان.
وإشعاعات نوره تنبعث من بين أوراق إكليله ملء الأكوان.
مَن يُسبِّحك تسبيحك، قالت الملائكة، فتسبيحك لا يُحد، ومن يباركك ببركتك فبركتك لا تُعد، ومن يعظِّمك بعلاك فعلاك ليس له قياس.
عمقك لا يُسبر، وقدرتك لا تُحصر، وعظمتك لا تُبصر، وعلاك من كل شيء أكبر.
ها هم جميعًا خاشعون، لا يعرفون اسمك، ولا يتبيَّنون رسمك.
طوبى للكاملين الذين عرفوك بقلبٍ نقيٍّ فآمنوا بك مخلصين، وخشعوا لعظمتك صادقين.
طوبى للكاملين الصادقين.
هو الملك منذ الأزل. ثابتٌ عرشُه، عظيمٌ ملكوتُه.
لا أبَ له ولا ولد، ولا يشاركه ملكَه أحد.
مباركٌ هو في كل زمان، ومُسبَّحٌ هو في كل زمان.
موجودٌ منذ القدم، باقٍ إلى الأبد.
قال للملائكة: "كوني" فكانت. بقوله ملائكةُ النور كانت.
ومن ضيائه النقي انبثق ملائكةُ التسبيح الذين لا حدَّ لهم، ولا عدَّ، ولا بطلان.
من نوره العظيم انبثقوا ممتلئين بالتسبيح.
مُتقَنٌ ضياؤه، بَهيٌّ نوره، مُتقَنٌ وبهيٌّ مقامُهم فيه.
نورٌ لا بطلان فيه، وخشوعٌ لا عصيان فيه، وبرٌّ لا شقاق فيه، وإيمانٌ لا خداع فيه، وصدقٌ لا كذب فيه.
هو الخير الذي لا شرَّ فيه، وهم فيه مقيمون، للحيِّ مسبِّحون.
ملائكةُ الضياء تسبِّح لملك النور بالضياء الذي وهبه إياهم.
ملائكةُ الضياء تُسبِّح لملك النور بثياب الضياء التي وهبها إياهم.
ملائكةُ الضياء تسبِّح لملكِ النور بأردية النور التي وهبها إياهم.
ملائكةُ الضياء تسبِّح لملك النور بأحزمة الضياء التي وهبها إياهم.
ملائكةُ الضياء تسبِّح لملكِ النور بأكاليل الضياء التي وهبها إياهم، وصفرَها لهم.
ملائكةُ الضياء تسبِّح لملكِ النور بالقوة والثبات اللذين وهبهما إياهم.
ملائكةُ الضياء تُسبِّح لملك النور بالصدق والوفاء والإيمان التي وهبها إياهم.
كلهم لطفاءُ طيبون، وحكماءُ صادقون. لا إساءة فيهم ولا خداع.
بعضهم يحلُّ في منازل بعضٍ لا يُخطئون، ولا إلى بعضهم يسيئون.
معزَّزون مكرَّمون، كمثل أهداب العين متشابهون.
نواياهم بعضُها لبعضٍ مكشوفة، وأخبار ما تقدَّم وما تأخَّر لديهم معروفة.
ينير بعضهم بعضًا، ويعطِّر بعضهم بعضًا، ويمدون يد البرِّ إلى بعضهم.
هم بمشيئة الله خالدون، لا زوال لهم ولا يشيخون، ولا يتوجَّعون ولا يضعفون.
ثيابهم أنقى، وأكاليلهم أبقى، وأولادهم أتقى.
لا يجوعون ولا يعطشون، ولا يحترُّون ولا يبردون، ولا يُساء إليهم ولا يغضبون.
لا خُبث في أشجارهم، ولا مرارة في أثمارهم، ولا ذبول في أزهارهم.
مواقعهم سامية، وبحارُهم هادية، ومياههم جارية.. أعذب من الحليب وأبرد.
لا يذوق شاربها موتًا، ولا يسمع للحزن صوتًا.
سنيهم لا عدَّ لها، وحياتهم لا كيل لها.
فَرِحون مُبهَجون، بخُطًا سريعةٍ ينطلقون، وفي أرض آير البيضاء يطيرون..
حيث الضياء التام، لا غروب ولا إظلام.
وجوههم من نور، شفافون كالبلَّور، جميعهم خاشعون، لله يسبِّحون.
الله ملك النور السامي، ملك الملائكة والأثريين، مُسبَّحٌ اسمه إلى أبد الآبدين.
والأثريون والملائكة والرسل والسيماءُ والأمثال والغيومُ السارية، والمياه الجارية، والأشجار العالية، والضياء الذي هي به حالية... كله من عند الله، ملك النور السامي.
والحيُّ مُزكّي.
التسبيح الثاني: الوصايا
باسم الحي العظيم. مُسبِّحٌ ربي بقلبٍ نقي.
هو ملك النور السامي. هو الله.
منه كان الملائكة والأثريون، بضيائه ونوره يرفلون.
أسنى من الشمس والقمر، منزَّهون عن الكدر.
أجلّاء حين يظهرون، سِراعٌ حين يسيرون.
أرأيتم إلى الضياء، كيف يعبر إلى الأرض من السماء؟ كذلك هم يصلون.
لا عدَّ لفضائلهم، ولا قياس لشمائلهم.
ذلك هو ملكوت الحي: عدلٌ وإتقان، وسلامٌ وإيمان، وكمالٌ دون نقصان.
طوبى لمن عرفك. طوبى لمن تحدث بعلمٍ منك. طوبى لمن ميَّزك.
طوبى لمن تميَّز لديك. طوبى لمن رجاك واتكل عليك.
طوبى لمن نهل من حكمتك، وتخلَّص من طغيان هذا العالم بهدايتك.
طوبى للكاملين الصادقين، الذين عرفوك وميَّزوك، فصعدوا ظافرين إلى عالم النور.
مباركٌ أنت، ومُسبَّحٌ أنت يا ربي.
يا ملك النور السامي.. مباركٌ ومُسبَّحٌ أنت إلى أبد الآبدين.
بأمرك كان كل شيء، وبأمرك خُلق كل شيء.
يا خالق هيبل زيوا، جبرائيل الرسول، ومُرسلَه إلى عالم الظلام.
قال لي ربي: "اذهب إلى عالم الظلام، المملوء كله بالشر.
كله مملوء بالشر، بالغائلة، بالنار الآكلة.
عالم الفتنة المضطرب، عالم الغش والكذب، المزروع بالشوك والعليق.
اذهب إليه، وسيطر عليه. ابسط الأرض، وارفع السماء، وعلِّق فيها الكواكب.
هَبِ الشمس ضياءً، والقمر بهاءً، والنجوم سناءً، والماء عذوبةً، والنار أُنسًا، ولتبدأ بأمري الحياة.
كوِّن بأمري الثمار، والأعناب والأشجار، يبتهج بها العالم.
وليكن رجلٌ وامرأة، اسماهما آدم وحواء.
ليسجد لهما ملائكةُ النار، ومن عصى فمصيره النار.
وليكن ثلاثةٌ من ملائكة النور أُنسًا لآدم، وببثاهيل سيستنير العالم".
قال ملك النور السامي قولَه، فكان كل شيء.
نزل بثاهيل، فرفع السماء، وبسط الأرض، ونادى ملائكة النار.
ووُهِبَتِ الشمس ضياءً، ووُهِبَ القمرُ بهاءً، والنجومُ سناءً، ورُفعت كلٌّ إلى مدار.
وتكوَّنت العواصف والماء والنار.
وتكوَّنت الثمار، والأعناب والأشجار، وخُلق الحيوان الأليف، والوحش الكاسر.
ومن التراب والطين الأحمر، والدم والمرارة، ومن سرِّ الكون، جُبل آدم وحواء، وحلَّت فيهما النفس بقدرة ملك النور.
قال الحي: "ليسجد ملائكةُ النار لآدم، لا يخالفون له قولًا".
فسجدوا إلا الشرير فقد أبى، فأسره ربُّه أسرًا.
أنا الرسول الطاهر. أمرني ربي أن أذهب وأنادي آدم وحواء زوجه بصوتٍ سنيّ.
علِّم آدم ليستنير قلبُه، وقوِّمه ليستنير عقلُه وجنانه.
كن أُنسًا له أنت والملاكان اللذان معك إلى العالم سيهبطان.
علِّمه وزوجَه وذرِّيَّته الحكمة كيلا يغويهم الشيطان.
علِّمهم الصلاة يقيمونها مُسبِّحين لملك النور السامي ثلاث مرات في النهار، ومرتين في الليل.
قل لهم: اتخذوا لأنفسكم أزواجًا، وتناسلوا منكم ليزداد عددكم.
وإذا قاربتم أزواجكم فاطمثوا، وطهروا نفوسكم.
قُل: يا عبادي، لا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس البشرية.
أيها الكاملون والمؤمنون، أيها المؤمنون والكاملون.
لا تبدِّلوا في الكلام، ولا تحبوا الكذب والآثام.
لا تكنزوا الذهب والفضة، فالدنيا باطلةٌ ومقتنياتها زائلة.
لا تسجدوا للشيطان، ولا تعبدوا الأصنام والأوثان.
من يسجد للشيطان فمصيره النار. بئس المنتهى، وبئس القرار، خالدًا فيها إلى يوم الدين.
ساعة خلاص العالم، ساعة يحاسب الديّان نفس كل إنسان.
أيها الكاملون والمؤمنون، لا تتعلموا رُقى الشيطان، ولا تشهدوا زورًا على إنسان.
وإذا جلستم للقضاء فأشهدوا منكم ذوي العدل والذمام، ولا تسيئوا الأحكام.
إن من يسيء الأحكام فمصيره النار.
لا تسلِّموا العبيد الصالحين لأسيادهم الأشرار، ولا الضعفاء إلى الظالمين الفجار.
أيها المؤمنون والكاملون، احترموا آباءكم، واحترموا أمهاتكم، واحترموا إخوتكم الكبار أجمعين.
إن من لا يحترم والديه مدانٌ إلى يوم الدين.
لا تنظروا إلى ما ليس لكم. لا تشتهوه ولا تبتغوه.
ولا تعترضوا على ما وهبكم ربكم خاطئين.
إن كل نعمةٍ وُهبت فبمشيئة رب العالمين.
إن أصابكم سوءٌ فاصبروا، واثبتوا في إيمانكم.
لا تلووا ألسنتكم، ولا تثنوا ركبكم، ولا تحنوا رؤوسكم، ولا تسجدوا للشيطان الرجيم.
ادعوا من تحبونه ليستمع إلى التسابيح التي وهبكم ربكم، لعله يؤمن ويطيع.
فإن آمن بالله وشهد له فأكرموه، وإليكم قرِّبوه، وأحسنوا إليه بما تملكون.
أما إذا أبى أن يسمع، أو سمع ولم يخشع، فربه هو الأرفع.
أيها المؤمنون والكاملون، إذا رأيتم أسيرًا مؤمنًا صادقًا فافتدوه.
لا تحسبوا الذهب والفضة مُنقِذَيِ النفس.. إنما ينقذها الصدق والإيمان والتسبيح والإحسان.
بهذا تنقذون النفس فتخرجونها من الظلام إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان...
فتنعم بالصلاة والتسبيح بعد الانحراف والعصيان.
يا أصفيائي، أيها المؤمنون.
أرشدوا الأعمى، وأحسنوا إلى الفقير.
وإذ تهبون صدقةً يا أصفيائي فلا تشهدوا عليها.
لا تعلم يمينكم بما وهبت شمالكم، ولا شمالكم بما وهبت يمينكم.
بئس من وهب صدقةً فأفسدها بالتشهير.
يا أصفيائي.
إذا رأيتم جائعًا فأطعموه، وإذا رأيتم عطشان فاسقوه، وإذا رأيتم عاريًا فاكسوه.
طوبى لمن وهب فإنه لمأجور. طوبى لمن كسا فسيُكسى أرديةً من نور.
طوبى لمن أنقذ أسيرًا فسيستقبله رسل ملك النور.
من تعلَّم تسابيحي ذُكر اسمه في عليين.
من استنار بكلماتي أصبح من الأثريين.
ومن نجا من غواية الشيطان صعد إلى بلد النور الأمين.
ومن قُتل في حب الله فهو المُزكّى.
يا أحبائي، أيها المؤمنون بي.
صوموا الصوم الكبير، صوم القلب والعقل والضمير.
لتصم عيونكم، وأفواهكم، وأيديكم.
لا تغمزوا ولا تلمزوا. لا تنظروا إلى الشر، ولا تفعلوه.
والباطل لا تسمعوه. ولا تُنصتوا خلف الأبواب.
ونزِّهوا أفواهكم عن الكذب، والزيف لا تقربوه.
أمسكوا قلوبكم عن الضغينة والحسد والتفرقة.
أمسكوا أيديكم عن القتل والسرقة.
أمسكوا أجسادكم عن معاشرة أزواج غيركم، فتلك هي النار المحرقة.
أمسكوا ركبكم عن السجود للشيطان ولأصنام الزيف.
أمسكوا أرجلكم عن السير إلى ما ليس لكم.
إنه الصوم الكبير فلا تكسروه، حتى تفارقوا هذه الدنيا.
من أخطأ ثم تاب، ثم إلى رشده ثاب، فإن الله غفورٌ رحيم.
هو ملك النور، الحنَّانُ التوَّابُ الكريم.
يا أصفيائي، لا تقربوا الملوك والسلاطين والمَرَدَةَ في هذا العالم، ولا تثقوا بهم.
لا بأسلحتهم، ولا بحشودهم، ولا تلووا أعناقكم للذهب والفضة التي يكنزون.
إنها سبب كل فتنة. سيتركونها وراءهم يوم إلى النار يذهبون.
يمسكون لظاها بأيديهم، وينفخون لهيبها بأفواههم.
سوف يزول عنهم سلطانهم، وتنتهي ملذاتهم، ولن يشفع لهم لا الذهب ولا الفضة التي كانوا يملكون.
يا جميع الذين تستمعون إلى نداء الله.
حين تقومون وحين تقعدون. حين تذهبون وحين تؤوبون.
تأكلون أو تشربون، أو في مضاجعكم، أو وأنتم تعملون: اذكروا الله وسبِّحوه كثيرًا.
هيِّئوا الماء الجاري واصطبغوا.
أصبغوا نفوسكم بالصبغة الحية التي أنزلها عليكم ربكم من أكوان النور، والتي اصطبغ بها كل الكاملين المؤمنين.
باركوا الخبز المقدس وكلوا، وسبِّحوا الماء المقدس واشربوا، تُغفر خطاياكم وذنوبكم.
من وُسِم بوسم الحي، وذُكر اسم ملك النور عليه، ثم ثبت وتمسَّك بصبغته وعمل صالحًا، فلن يؤخره مؤخِّرٌ يوم الحساب.
لا تأكلوا الدم، ولا الميتة، ولا المشوَّه، ولا الحامل، ولا المرضعة، ولا التي أجهضت، ولا الجارح، ولا الكاسر، ولا الذي هاجمه حيوان مفترس.
وإذا ذبحتم فاذبحوا بسكين من حديد.
اطمثوا، واغسلوا، وطهروا، واطبخوا، وسمّوا، ثم كلوا.
أيها الرجال، إذا اتخذتم لأنفسكم أزواجًا فاختاروا من بينكم وأحبوهن.
وليحفظ أحدكم الآخر، واعتنوا ببعضكم عناية العيون بالأقدام.
أحبوا بعضكم، وتحمَّلوا بعضكم، تعبروا بحر سوف العظيم.
يا أصفيائي، اسمعوا، واعملوا بما أوصيكم.
فإن لم تسمعوا، أو سمعتم ولم تعملوا، ففي الظلمة التي وقع فيها الأشرار تقعون لها.
إنهم باقون فيها لا يصعدون.
إخوة الجسد باطلون، وإخوة الروح باقون.
فكونوا يا إخوة الصدق مقيمين على محبتكم لا تتبدلون.
إن الاسم الأول قد ثبَّت سماتكم على هاماتكم، سمات الماء الحي التي بها إلى بلد النور تصعدون.
لا تبكوا موتاكم، ولا تقيموا عليهم الأحزان.
إن من مزَّق ثيابه على ميت فقد دنَّسها.
ومن قلع شعرةً على ميت فسيُربط بجبل الظلام بحبلٍ لا يبيد.
كلما طالت أعماركم زادت خطاياكم، فلا تحزنوا على النفس إذا فارقت الحياة.
فمن الحزن تولد الأرواح الشريرة فتسبق النفس في عروجها، وتضايقها في دار الحساب.
من أحب موتاه فليطلب لهم الرحمة، وأقيموا عليهم الصلاة والتسبيح، واقرؤوا الابتهالات، وأقيموا طقوس الرحمة من أجلها.
عندئذٍ يسير الضياء أمامها، ويأتي النور وراءها، ورسل الحي عن يمينها، وملائكة النور عن شمالها، فتنجو من العذاب ومن مراجل النار.
علِّموا النفس أن لا ترتاب قلوبها، وأسمعوها لغة السلام: التسبيح الذي آتيتكم.
فتشهد قلوبها وتطمئن.
طوبى لمن سمع وآمن، إنه يصعد ظافرًا إلى بلد النور.
هبوا الخبز والماء والمأوى لبني البشر المتعبين، وللمضطهدين، وكونوا عادلين، وأحبوا بعضكم صادقين.
يا أحبائي، لا يبيت عندكم أجر أجير، ولا تسرقوا شريكًا، ولا تنتقموا بغدرٍ من صديق.
إن من يسرق صاحبه وشريكه لن ترى عيناه النور.
إذا عاهدتم فابسطوا أيمانكم بعضكم إلى بعض، ولا تخونوا عهدكم.
إن الأثريين وملائكة النور يهبون الاتحاد وعهد الحق بعضهم بعضًا.
واعلموا أن معلميكم يعلمونكم كلمة الحق والحكمة فلا ترفعوا رؤوسكم عليهم، وكونوا هادئين متواضعين.
واعلموا أن السحرة والمنجمين في الظلام قابعون، فلا تقصدوهم.
لا تحلفوا كذبًا، ولا تبدِّلوا إيمانكم، ولا تأكلوا مال الربا، وإن أقرضتم فلا تقرضوا سرًا.
يا أصفيائي الصادقين والمؤمنين، لا تزنوا، ولا تفسقوا، ولا تَمِل قلوبكم إلى غواية الشيطان.
إن غواية الشيطان ضلالٌ مبين.
كونوا أقوياء ثابتين، فإن اضطُهدتم فتحمَّلوا الاضطهاد إلى أن تقضوا آجالكم، بعضكم لبعضٍ مساندين.
ولا تغضبوا، ولا تهتاجوا، إن الغضب والهياج مملوءان بوسوسة الشيطان.
فأطفئوا نار غضبكم بالإيمان.
إذا رأيتم حكيمًا صادقًا فتقرَّبوا إليه، وخذوا من حكمته.
وإن رأيتم حكيمًا شريرًا فابتعدوا عنه ما استطعتم، إن حكماء الشر من أتباع الشيطان.
أيها المؤمنون، أيها الكاملون.
أحبوا لأصحابكم ما تحبون لأنفسكم، واكرهوا لهم ما تكرهون لها، وتزوَّدوا لآخرتكم بالعمل الصالح.
فانظروا، واسمعوا، وآمنوا، وتقبَّلوا كلمات ربكم.
انظروا بأعينكم، وانطقوا بأفواهكم، واسمعوا بآذانكم، وآمنوا بقلوبكم، واعملوا بأيديكم الصدقة وإطعام المساكين.
اعملوا بمشيئة ربكم، ولا تعملوا بمشيئة الشيطان.
لا يأسرنَّكم جمال الأجسام فجمالها زائل.
ولا تسجدوا للشيطان، ولا لأصنام هذا العالم الزائف.
كل من يولد يموت، وكل ما يُصنع بالأيدي يفسد، والعالم كله يفنى.
فأين سر الألوهية التي فيه إن كنتم تنظرون؟
إن عكازتكم يوم الحساب أعمالكم التي عليها تتوكؤون، فانظروا إلى ماذا تستندون.
يا أصفيائي، لا تعترضوا على أمر ربكم، وكونوا صالحين وادعين متواضعين.
ولتكن فيكم التوبة، وتحلَّوا بالحنان والتسامح والرحمة، إنها من طبيعة النور.
أيها الرجال الذين تتخذون نساءً أنجبوا، فإن لم تنجبوا ذهبت ذريتكم.
لا تتخذوا الإماء أزواجًا، ولا تلقوا بأبنائكم في بيوت الأسياد عبيدًا، إن ذلك وزرٌ عظيم.
أيتها النساء اللواتي تكنَّ للرجال، حذارِ مما لا يرضي الله، ولا يحسن لدى الناس: الزنى، والسرقة.
وإياكن وعمل السحر، إنه من رجس الشيطان.
الزوجة الصادقة تهب الحب الصادق.
لا تنفصلوا عن بعضكم حتى تنتهي أعماركم.
ربوا أبناءكم وهذِّبوهم، والحكمة علِّموهم، واغرسوا في نفوسهم الإيمان.
دعوهم يسلكون طريق الحق. إن من لم يُرشد أولاده، ولم يعلِّمهم يحاسبه الله.
ومن سعى لهداية أولاده فلم يهتدوا يحاسبهم الله.
من أخطأ منكم فقوِّموه وأسندوه، فإن أخطأ ثانيةً فقوِّموه وأعينوه، فإن أخطأ ثالثةً فأرشدوه، والصلاة والتسبيح لله أسمعوه.
فإن عصى واستكبر، وأبى إلا المنكر، فاجتثوا هذه الكرمة من الجذور، وازرعوا مكانها كرمةً تعرف طريق النور.
فقد قالوا له: "اسمع" فلم يسمع، وأروه نور الله فلم يخشع، فسقط في العذاب.
إياكم والهزء بمُعوَّق، أو السخرية من ذي عاهة.
إن الأجساد قد تُزدرى بالأوجاع، ولكن النفس لا تُهان ولا تُزدرى إلا بأعمالها.
يا أصفيائي، أيها المؤمنون.
لا تمجِّدوا الشمس والقمر. هو الله الذي أمر، فكان لهما وللكواكب هذا الضياء، لكي ينيرُوا به الظلماء.
فإذا نادى الحي العظيم، سقطت كلها في قرارٍ بهيم.
إن الذين يسجدون لأدوناي، ويحنثون في النداء الأول، ويؤلفون لهم كتابًا.
لا تكونوا منهم، ولا تختتنوا، ولا تسلكوا طريق الذين على كلامهم لا يثبتون.
فمن هؤلاء سيلٌ منسرب، وأنبياء كذب، ينزعون الحكمة من قلوبهم، ويتألهون في شعوبهم، فيكتبون كتاب الزيف، وينشرون الفتنة والحيف.
أنا الرسول الطاهر، أقول لجميع الناصورائيين:
ميِّزوا كلمات هؤلاء، إنهم يكذبون بعضهم.
النبي يكذِّب النبي، والملك يطعن الملك.
يتزلفون إلى البشر، ويُغرونهم بالفضة والذهب، وبالغناء والطرب، ونصب الطين والخشب، فيوقعونهم في العطب.
أو يلجؤون إلى السيف، وينشرون الظلم والحيف.
أو بالملق والخداع والريف، يجعلون أبناء آدم ينحرفون، ويضعون اسم الله في أفواههم وهم كاذبون.
يقولون: "هذا كلام الله"، وهم في كلام الله يدسّون.
أنا الرسول الطاهر أقول لكم: لا تسمعوا نداء أنبياء الكذب.
إنهم يتشبَّهون بالأثريين الثلاثة الذين هبطوا إلى العالم، ولكن أضويتهم ليست كأضويتهم، وأرديتهم ليست كأرديتهم.
أولئك أرديتهم من نور، وهؤلاء أكسيتهم من نار.
يا أصفيائي، البسوا الأبيض، واكتسوا الأبيض.
ألبسة الضياء وأردية النور، واعتمُّوا بعمائم بيضٍ كالأكاليل الزاهية، وانتطقوا بأحزمة الماء الحي التي ينتطق بها الملائكة، وانتعلوا، واحملوا بأيديكم صولجانات مثل صولجانات الماء الحي التي يحملها الملائكة في بلد النور.
أيها الصادقون، لا تقولوا ما لا تعرفون، ولا تدَّعوا الوحي، فلا يوحي إلا العلي العظيم.
سلِّحوا نفوسكم بأمضى من الحديد: سلاح الحكمة المندائية، وكلمات ربكم الصادقة.
أشيروا على بعضكم بالحسنى، إنكم كما تُنقذون تُنقَذون.
ولا تكونوا كالنبت الرديء، يشرب الماء ولا يعطي الثمر.
والحيُّ مُزكّي.

تعليقات
إرسال تعليق