هذا النص من رسالة أحمد ابن فضلان:
والروس مستهترون بالنبيذ يشربونه ليلا ونهارا ، وربما مات الواحد منهم والقدح في يده ، وإذا مات الرئيس منهم قال أهله لجواريه وغلمانه ، من منكم يموت معه؟ فيقول بعضهم ، أنا. فإذا قال ذلك ، فقد وجب عليه لا يستوي له أن يرجع أبدا ، ولو أراد ذلك ما ترك ، وأكثر من يفعل هذا الجواري.
فلما مات ذلك الرجل الذي قدمت ذكره قالوا لجواريه ، من يموت معه؟ فقالت إحداهن ، أنا. فوكلوا بها جاريتين تحفظانها وتكونان معها حيث سلكت ، حتى أنهما ربما غسلتا رجليها بأيديهما ، وأخذوا في شأنه وقطع الثياب له ، وإصلاح ما يحتاج إليه ، والجارية في كل يوم تشرب وتغني فرحة مستبشرة.
فلما كان اليوم الذي يحرق فيه هو والجارية ، حضرت إلى النهر الذي فيه سفينته ، فإذا هي قد أخرجت وجعل لها أربعة أركان من خشب الخدنك وغيره ، وجعل أيضا حولها مثل الأنابير الكبار من الخشب ، ثم مدت حتى جعلت على ذلك الخشب ، وأقبلوا يذهبون ويجيئون ويتكلمون بكلام لا أفهم ، وهو بعد في قبره لم يخرجوه ، ثم جاءوا بسرير فجعلوه على السفينة وغشوه بالمضربات الديباج الرومي والمساند الديباج الرومي ، ثم جاءت إمرأة عجوز يقولون لها ملك الموت ، ففرشت على السرير الفرش التي ذكرنا ، وهي وليت خياطته وإصلاحه ، وهي تقتل الجواري ، ورأيتها جوان بيرة ، ضخمة ، مكفهرة.
فلما وافوا قبره نحوا التراب عن الخشب ونحوا الخشب ، واستخرجوه في الإزر الذي مات فيه ، فرأيته قد اسود لبرد البلد ، وقد كانوا جعلوا معه في قبره نبيذا وفاكهة وطنبورا ، فأخرجوا جميع ذلك ، فإذا هو لم ينتن ولم يتغير منه شيء غير لونه.
فألبسوه سراويل ورانا وخفا وقرطقا وخفتان ديباج له أزرار ذهب ، وجعلوا على رأسه قلنسوة ديباج سمورية ، وحملوه حتى أدخلوه القبة التي على السفينة ، وأجلسوه على المضربة وأسندوه بالمساند وجاءوا بالنبيذ والفاكهة والريحان فجعلوه معه.
وجاءوا بخبز ولحم وبصل فطرحوه بين يديه ، وجاؤا بكلب فقطعوه نصفين ، وألقوه في السفينة ، ثم جاءوا بجميع سلاحه فجعلوه إلى جانبه ، ثم أخذوا دابتين فأجروهما حتى عرقتا ، ثم قطعوهما بالسيف وألقوا لحمهما في السفينة.
ثم جاءوا ببقرتين فقطعوهما أيضا وألقوهما فيها ، ثم أحضروا ديكا ودجاجة فقتلوهما ، وطرحوهما فيها.
والجارية التي تريد أن تقتل ذاهبة وجائية تدخل قبة قبة من قبابهم ، فيجامعها صاحب القبة ، ويقول لها ، قولي لمولاك إنما فعلت هذا من محبتك.
فلما كان وقت العصر من يوم الجمعة ، جاءوا بالجارية إلى شيء ، قد عملوه مثل ملبن الباب ، فوضعت رجليها على أكف الرجال ، وأشرفت على ذلك الملبن ، وتكلمت بكلام لها ، فأنزلوها ، ثم أصعدوها ثانية ففعلت كفعلها في المرة الأولى ، ثم أنزلوها وأصعدوها ثالثة ، ففعلت فعلها في المرتين ، ثم دفعوا إليها دجاجة فقطعت رأسها ورمت به ، وأخذوا الدجاجة فألقوها في السفينة.
فسألت الترجمان عن فعلها فقال ، قالت في أول مرة أصعدوها ، هوذا أرى أبي وأمي ، وقالت في الثانية ، هوذا أرى جميع قرابتي الموتى قعودا ، وقالت في المرة الثالثة ، هوذا أرى مولاي قاعدا في الجنة ، والجنة حسنة خضراء ، ومعه الرجال والغلمان ، وهو يدعوني فاذهبوا بي أليه ، فمروا بها نحو السفينة فنزعت سوارين كانا عليها ، ودفعتهما إلى المرأة التي تسمى ملك الموت وهي التي تقتلها ، ونزعت خلخالين كانا عليها ، ودفعتهما إلى الجاريتين اللتين كانتا تخدمانها وهما ابنتا المرأة المعروفة بملك الموت.
ثم أصعدوها إلى السفينة ، ولم يدخلوها إلى القبة ، وجاء الرجال ومعهم التراس والخشب ، ودفعوا إليها قدحا نبيذا فغنت عليه وشربته ، فقال لي الترجمان ، إنها تودع صواحباتها بذلك ، ثم دفع إليها قدح آخر ، فأخذته وطولت الغناء ، والعجوز تستحثها على شربه والدخول إلى القبة فيها مولاها ، فرأيتها وقد تبلدت وأرادت دخول القبة ، فأدخلت رأسها بينها وبين السفينة ، فأخذت العجوز رأسها وأدخلتها القبة ، ودخلت معها.
وأخذ الرجال يضربون بالخشب على التراس لئلا يسمع صوت صياحها فيجزع غيرها من الجواري ، ولا يطلبن الموت مع مواليهن.
ثم دخل إلى القبة ستة رجال فجامعوا بأسرهم الجارية ، ثم أضجعوها إلى جانب مولاها ، وأمسك اثنان رجليها واثنان يديها ، وجعلت العجوز التي تسمى ملك الموت في عنقها حبلا مخالفا ، ودفعته إلى اثنين ليجذباه ، وأقبلت ومعها خنجر عريض النصل ، فأقبلت تدخله بين أضلاعها موضعا موضعا وتخرجه والرجلان يخنقانها بالحبل حتى ماتت.
ثم وافى أقرب الناس إلى ذلك الميت فأخذ خشبة وأشعلها بالنار ، ثم مشى القهقري نحو قفاه إلى السفينة ، ووجهه إلى الناس والخشبة المشعلة في يده الواحدة ، ويده الأخرى على باب أسته ، وهو عريان حتى أحرق الخشب المعبأ الذي تحت السفينة من بعد ما وضعوا الجارية التي قتلوها في جنب مولاها.
ثم وافى الناس بالخشب والحطب ، ومع كل واحد خشبة قد ألهب رأسها ، فيلقيها في ذلك الخشب ، فتأخذ النار في الحطب ، ثم في السفينة ثم في القبة ، والرجل والجارية ، وجميع ما فيها ، ثم هبت ريح عظيمة هائلة فاشتد لهب النار واضطرم تسعرها ، وكان إلى جانبي رجل من الروسية فسمعته يكلم الترجمان الذي معي ، فسألته عما قال له ، فقال ، إنه يقول ، أنتم يا معاشر العرب حمقى ، فقلت ، لم ذلك؟ قال ، إنكم تعمدون إلى أحب الناس إليكم وأكرمهم عليكم فتطرحونه في التراب ، وتأكله التراب والهوام والدود ، ونحن نحرقه بالنار في لحظة ، فيدخل الجنة من وقته وساعته.
ثم ضحك ضحكا مفرطا ، فسألت عن ذلك فقال ، من محبة ربه له ، قد بعث الريح حتى تأخذه في ساعة ، فما مضت على الحقيقة ساعة حتى صارت السفينة والحطب والجارية والمولى رمادا رمددا.
ثم بنوا على موضع السفينة ، وكانوا قد أخرجوها من النهر شبيها بالتل المدور ، ونصبوا في وسطه خشبة كبيرة خدنك ، وكتبوا عليها اسم الرجل واسم ملك الروس ، وانصرفوا.
قال ، ومن رسم ملك الروس أن يكون معه في قصره أربعمائة رجل من صناديد أصحابه وأهل الثقة عنده ، فهم يموتون بموته ويقتلون دونه ، ومع كل واحد منهم جارية تخدمه وتغسل رأسه ، وتضع له ما يأكل ويشرب ، وجارية أخرى يطؤها. وهؤلاء الأربعمائة يجلسون تحت سريره ، وسريره عظيم مرصع بنفيس الجوهر ، ويجلس معه على السرير أربعون جارية لفراشه ، وربما وطىء الواحدة منهن بحضرة أصحابه الذين ذكرنا.
ولا ينزل عن سريره ، فإذا أراد قضاء حاجة قضاها في طشت ، وإذا أراد الركوب قدموا دابته إلى السرير فركبها منه ، وإذا أراد النزول قدم دابته حتى يكون نزوله عليه ، وله خليفة يسوس الجيوش ، ويواقع الأعداء ويخلفه في رعيته.

تعليقات
إرسال تعليق